فهرس الكتاب
ومع هذا الخيال، فقد حدثنا التاريخ أن الصبر والثبات والحكمة والأناة وصلت بهذه النهضات الضعيفة النشأة، القليلة الوسائل، إلى ذروة ما يرجوه القائمون بها، من توفيق ونجاح، ومن ذا الذي كان يصدِّق أن الجزيرة العربية وهي تلك الصحراء الجافة المجدبة تنبت النور والعرفان، وتسيطر بنفوذ أبنائها الروحي والسياسي على أعظم دول العالم؟ ومن ذا الذي كان يظن أن أبا بكر صاحب القلب الرقيق الليِّن، وقد انتقض الناس عليه، وحار أنصاره في أمرهم، يستطيع أن يخرج في يوم واحد أحد عشر جيشًا، تقمع العصاة وتقوِّم المعوج ، وتؤدب الطاغي وتنتقم من المرتدين، وتستخلص حق الله في الزكاة من المانعين؟. ومن ذا الذي كان يصدق أن هذه الشيعة الضئيلة المستترة من بني علي و العباس تستطيع أن تقلب ذلك الملك القوي الواسع الأكناف ما بين عشية وضحاها , و هي ما كانت في يوم من الأيام إلا عرضة للقتل و التشريد و النفي و التهديد ؟. ومن ذا الذي كان يظن أن صلاح الدين الأيوبي يقف الأعوام الطوال ، فيردّ ملوك أوروبا على أعقابهم مدحورين ، مع توافر عددهم وتظاهر جيوشهم، حتى اجتمع عليه خمسة وعشرون ملكًا من ملوكهم الأكابر؟
ذلك في التاريخ القديم، وفي التاريخ الحديث أروع المثل على ذلك، فمن كان يظن أن الملك عبد العزيز آل سعود ، وقد نفيت أسرته وشرِّد أهله وسُلب ملكه، يسترد هذا الملك ببضعة وعشرين رجلًا، ثم يكون بعد ذلك أملًا من آمال العالم الإسلامي في إعادة مجده وإحياء وحدته؟ ومن كان يصدق أن ذلك العامل الألماني ( هتلر ) يصل إلى ما وصل إليه من قوة 1النفوذ و نجاح الغاية ؟
هل هناك طريق أخرى؟
و ثم نظرتان سلبيتان تحدثان النتيجة بعينها و توجهان قلب الغيور إلى العمل توجيها صحيحا .
أولاهما: أن هذه الطريق مهما طالت فليس هناك غيرها في بناء النهضات بناء صحيحا و قد أثبتت التجربة صحة هذه النظرية .
الواجب أولا