فهرس الكتاب
وأما انهم يفكرون في سبيل الخلاص ، فعلم الله أنه ما من فكرة تحتل أفكارهم وما من خطة تستهوى عواطفهم وما من شان يشغل عقولهم كهذا الشان الذي ملك عليهم رؤوسهم وقلوبهم واستبد منهم بشعورهم وتفكيرهم.
وأما أنهم يبذلون في هذا السبيل وقتا ومالا ، فحسبك أن تزور ناديا من أنديتهم لترى عيونا أذبلها السهر ووجوها أشحبها الجلد وجسوما أضناها النصب وأخذ منها الإعياء على أنها فتيّة بإيمانها قوية بعقيدتها ، وشبابا يقضون ليلهم إلى ما بعد انتصافه مكبين على المكتب أو عاكفين على المناضد وأترابهم في لهوهم وأنسهم ومتعتهم وسمرهم . ورب عين ساهرة لعين نائمة وإنما نحتسب ذلك عند الله ولانمتن به , (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات:17) .
فإذا سألت عن المال الذي ينفق علي دعوتهم فما هو إلا مالهم القليل يبذلونه في سخاء ورضاء وراحة وطمأنينة . وإنهم ليحمدون الله إذ ترقت تضحيتهم بالمال من درجة السخاء بكماليات العيش إلى درجة الاقتصاد من ضرورياته وإنفاق ما يقتصد في سبيل الدعوة , (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9) , ما أسعدنا أن يقبل الله منا ذلك وهو منه وإليه .