فهرس الكتاب
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم مسألة الناس، إلا عند الضرورة، وقال: ( لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع، أو دم موجع، أو فقر مدقع ) وقال تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } [ الشرح: 7، 8 ] ، فأمره أن تكون رغبته إلى الله وحده .
ومن هؤلاء من يجعل دعاء الله ومسألته نقصًا، وهو مع ذلك يسأل الناس ويكديهم، وسؤال العبد لربه حاجته من أفضل العبادات، وهو طريق أنبياء الله، وقد أمر العباد بسؤاله فقال: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } [ النساء: 32 ] ، ومدح الذين يدعون ربهم رغبة ورهبة . ومن الدعاء ما هو فرض على كل مسلم، كالدعاء المذكور في فاتحة الكتاب .
ومن هؤلاء من يحتج بما يروى عن الخليل أنه لما ألقى في النار قال له جبرائيل: هل لك من حاجة ؟ فقال: أما إليك فلا، قال: سل . قال: ( حسبي من سؤالي علمه بحالي ) . وأول هذا الحديث معروف، وهو قوله: أما إليك فلا؛ وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: حسبنا الله ونعم الوكيل، أنه قالها إبراهيم حين ألقي في النار . وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم .
وأما قوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فكلام باطل، خلاف ما ذكره الله عن إبراهيم الخليل، وغيره من الأنبياء من دعائهم لله ومسألتهم إياه، وهو خلاف ما أمر الله به عباده من سؤالهم له صلاح الدنيا والآخرة، كقولهم: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [ البقرة: 201 ] ، ودعاء الله وسؤاله والتوكل عليه عبادة لله مشروعة بأسباب كما يقدره بها، فكيف يكون مجرد العلم مسقطًا لما خلقه وأمر به ؟ ! والله أعلم . وصلى الله على محمد وسلم .