قُلتُ: ـ هو قسم من الله تعالى، جيَْ به لتأكيد خسران الإنسان، زيادة على ما يتلوه من بقيّة المؤكِّدات كحرفِ إنّ و اللاّم. وحكمة إتيانه تعالى بالمُؤكّدات تُفيد كون الإنسان يجهل خسرانه، و يبعُدُ أن يُدركه، ما دام لا يشعر بحقيقة ما كان عليه قبل تعلّقِ الرّوح بالجسد المعدِنِيّ. أمّا لو تصوّر ذلك عندما كان جوهرا خالصا، متخلّصا من عموم المواد و سائر لوازم الفساد لاعترف بخسرانه، بالنّظر لما هو عليه الآن. و من أين له أن يُدرك ذلك و هو مكبول بشهواته، مسجون في ظروف طبيعته. و تلك الحالة هي أبعد المراتب و أقصى الغايات التي تبعد به عن نيل سعادته الأبديّة. و كذلك يبقى ما دامت بصيرته لم تنفذ إلى ما وراء هذه الظروف المحدقة به. ولكن لا تنفذُ إلاّ بِصريحِ برهان"فَنْفُذُوا لاَ تَنْفُذُون إلاَّ بِسُلْطَانٍ". و إذْ ذاك يُدرك خسرانه بالنّسبة لِما كان عليه قبل تعلّق الرُُوح بالبدن. و لو تخيّل ذلك لما احتيج للتّوكيد.
ثُمّ العصر المُقسم به حمله المفسِّرون على محامل، و أنْسبُها لما في نفس الأمر على أنّه الدّهر، على ما رواه ابنُ العبّاس رضي الله عنهما، ووجه القسم به أنّه أغرب الموجودات مطلقًا، و من غرابته ما رُوي عنه صلّى الله عليه و سلّم أنّه قال:"لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ"أخرجه الطّبرانِيّ عن أبي أمامة بإسناد حسن و في رواية"لاَ تّسُبُّوا الزَّمانَ، فَإنَّ الزَّمانَ هو الدّهرُ، و الدَّهْرُ هُوَ اللهُ".