الصفحة 2 من 18

وقد جعل الله هذه الأمة ثلاث طبقات في الصلاح والتقوى: فمنهم {ظالم لنفسه} ، وهو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.

ومنهم {مقتصد} وهو الذي لازم الطاعة الواجبة وابتعد عن المعصية، ولم يكن له باع في الفضائل.

ومنهم {سابق بالخيرات بإذن الله} وهو الذي انتهى عن المحرمات وجاوز ذلك إلى الانتهاء أيضًا عن المكروهات والشبهات. وفعل الواجبات وأضاف إلى ذلك المندوبات وسارع في الخيرات.

وهؤلاء جميعًا (الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات) قد وعدهم الله الجنة على اختلاف مستوياتهم وطبقاتهم في الخير والفضل، والحمدلله على نعمائه.

مفهوم الإنسان الصالح والأمة الصالحة

لا شك أن الإنسان الصالح الذي تهدف الرسالة الإسلامية إلى بنائه ليس هو الإنسان الغني المترف، الذي يتمتع بطيبات الحياة، ويحيا في العيش الرغيد، ويتفنن في العلوم الدنيوية .. ثم هو بعد ذلك جاهل بربه، جاهل بالغاية التي خلق من أجلها على هذه الأرض، فمثل هذا الإنسان عند الله أحط قدرًا من الأنعام .. كما قال عز وجل: {ولقد ذرأنا لجنهم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون} (الأعراف:179) ، وقال تعالى: {والذين كفروا يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} .

ونفي الله لسمع هؤلاء وبصرهم وعقولهم ليس على إطلاقه، بل هم أهل بصر وسمع وعلم، ولكن ذلك كله محصور في أمر الدنيا .. كما قال تعالى عنهم {ولكن كثيرًا من الناس لا يعلمون* يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} (الروم) وقال عن عاد وثمود {وعادًا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين} (العنكبوت:38) أي ذوي بصيرة وخبرة بالحياة الدنيا فهم أهل بصر بالزراعات والصناعات والبناء وشئون الحياة والمعاش كما قال صالح لقومه (ثمود) : {أتتركون فيمنا ها هنا آمنين، في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم، وتنحتون من الجبال بيوتًا فارهين، فاتقوا الله وأطيعون} (الشعراء:146 - 150)

فالذين عاشوا خلال جنات وعيون وزروع ونخيل طلعها هضيم ونحتوا الجبال بيوتًا {وجابوا الصخر بالواد} ، لا شك أنهم كانوا على علم بالحياة وبصرفيها. فإن كل ذلك لا يتأتى إلا بعلوم دنيوية فائقة متقدمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت