الصفحة 60 من 118

وبالمقابل:حديث الروح للأرواح يسري وتحمله القلوب بلا عناء أما التفاعل الصادق مع الخطبة فقد كان من هديه _صلى الله عليه وسلم_ ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله _رضي الله عنهما_ قال: كان رسول لله _صلى الله عليه وسلم_ [وهو الصادق المصدق] إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم.

فهل تأمل هذا ذلك الخطيب الذي يلقي خطبة لا تحرك فيه ساكنًا ولا يتفاعل معها، بل نبراته مصطنعة، وكلماته باردة لم تؤثر فيه فضلًا عن أن يتعدى أثرها إلى غيره! فلا عجب أن تجلب خطبته النعاس إلى أناس جاؤوا مستيقظين بعد نوم طويل مغتسلين آكلين شاربين مهيئين بأسباب القبول الحسية التي أمر بها الشرع.

إن الخطيب ينبغي له أن يعتني بأمور، حتى تكون خطبته مؤثرة، منها ما يتعلق بموضوع الخطبة كحاجة الناس إليه وتوقيته، ومنها ما يتعلق بمراعاة السامعين وأحوالهم، ومنها ما يتعلق بأسلوب الأداء، فإذا راعى الخطيب هذه الأمور كان للخطبة شأن وأثر عظيم.

إن المسلم يحضر في العام أكثر من خمسين درسًا، ومع ذلك فإن المستفيد قليل، وما ذلك إلاّ لعدم توظيف المنابر توظيفها الأمثل، ولك أن تتخيل لو أتيحت هذه المنابر للأهل الكفر من الغربيين كيف كانوا يصنعون؟!

إنني أوجه دعوة لأولئك الذين لا يجتهدون و لا يعتنون بما يلقونه في خطبهم، بل جل همهم إزاحة هم نزل بهم، وقضاء وقت فرض عليهم، دعوتي إليهم بأن يتقوا الله، وأن يحترموا عقول السامعين، فما هكذا تؤدى الأمانة.

وقد صح عنه _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال:"ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلاّ حرم الله عليه الجنة". [البخاري ومسلم] قال القاضي عياض:"معناه بَيِّنٌ في التحذير من غش المسلمين، لمن قلده الله _تعالى_ شيئًا من أمرهم واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإن خان فيما اؤتمن عليه فلم ينصح فيما قُلِّده إما بتضييعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم، وأخذهم به... فقد غشهم"ثم ذكر القاضي أن ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة عن الجنة (2) . وأخشى ما أخشاه أن ينال بعض الخطباء نصيب من ذلك.

(1) حسنه النووي في الخلاصة 2/758، وصححه الألباني ينظر صحيح الجامع 6143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت