في المسألةِ والطلب، ويُحتمل أن يكونَ أرادَ بقوله يجادِلُنا في قومِ لوط، أي:
يجادلُ رسُلَنا من الملائكةِ الذينَ أخبروه بأنهم جاؤوا بعذابِهم واصطلامِهم.
ويُحتمل أن يكونَ ذلكَ الجدالُ ليسَ بمنازعةٍ ومناظرةٍ إنّما هو سؤال لهم
وبحثٌ عن قصتِهم كقولهِ: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ(57) .
ونحوَ ذلك مما باحَثَهم عنه وفيه.
فأمَّا قولُه تعالى: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) ، فإنّه ليس بنقضٍ لقولهِ: (فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ) ، و: (لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ) ، لأنه لم يُرد بالخبوِ السكونَ والهدوء، وإنما أرادَ كُلما أرادتْ وقاربتْ أن تخبوا زدناها سعيرًا، ويَحتمل أن يكونَ أرادَ كلما قدروا أنها تَخبوا وتَهدأ زدناهُم سعيرًا، بخلافِ ظنهم.
ويمكنُ أن يكونَ أرادَ أن الخبوَ هو نفسُ الزيادةِ في السعير، فكأنه قالَ
خبتْ ازدادَ حرُّها وتضرُّمُها وتلَظِّيها، وازدادَ كذلكَ عذابُهم وألمهُم، فيكونُ
ذلكَ خبرًا عن نفسِ خُبُّوهَا هو نفسُ الزيادةِ في سعيرها الذي به يزيد ألَمهمَ
ونحو هذا قولُ الشاعر:
فقلتُ أطعِمني عُميرُ تمرًا ... وكان تمرًا كُمَّثرةً وزندًا
فجعل نفسَ الكُمثرةَ والزندَ تمرًا.
فأمَّا قولُه تعالى: (فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) ، وهو أكبرُ الحيات.
فلا منافاة بينَه وبينَ قوله: (تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) ، لأن الجان هو
الصغير من الحيّات، - زعموا - لأن التأويل أنه رآها في خفة حركَتها
وسرعَتها وتلوِّيها، وتلفُفها كأنها الجانُ الصغيرُ في خِفته وسرعَته، وهذا من