فهرس الكتاب
على طالب السُّمُوِّ أن يوَطِّنَ نفسه على اجتياز ألف عقبة، وأن يحسب لنفسه ألف هزيمة قبل الوصول إلى الظفر الأخير، وهذا التوطين يتطلب منه سهرًا متواصلًا ومعرفة للذات، والاحتراس من كل زلة، والامتناع عن كل لذة وقتية إذا كانت تمنع خيرًا مقبلًا، والتوكل على الله، والصبر الصبر؛ فإن هذه الطريق: «... طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد - صلى الله عليه وسلم - ...» [1] فما وهنت قواهم ولم يتقاعسوا عن السير؛ بل زادهم هِمَّةً إلى هِمَّتِهم وعَزْمَةً إلى عَزْمَتِهم، وقد قال تعالى مبينًا حقيقة النهاية: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173] .
وسواء كانت الغَلَبَةُ في الدنيا أم في الآخرة فإن هذا لا يَفُتُّ في أعضاد أهل الحق ولا يزعزع من ثباتهم.
اغلب عَدُوَّكَ بالعمل
إن الاهتمام بالعمل والحرص على إتقانه من المطالب السامية التي يسعى لها أهل الهمم العالية.
إن حُبَّ العمل والحرص على إتقانه يحتاج إلى بذل مجهودات هائلة؛ لأن النفس نزَّاعةٌ إلى الخمول والكسل وحب الكلام دون الفعال، وقد ذم الله عز وجل هذه الصفة - صفة الكلام دون الفعل - وعَدَّها مَقْتًا أكبر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3] .
إن العمل المتقن صفةٌ من صفات الأمة الرائدة الباحثة عن المجد:
اغلب عَدُوَّكَ بالعملْ ... لا بالكلام المُرْتَجَل
فالفعل يبني أمة ... أما الكلام فَيُبْتَذَل
كنز القناعة
(1) الفوائد ص: 78-79.