قول"المجبرة"أن ظلمهم ما كان سيئة، إلا لما نهاهم، وأنه قبل النهي كان بمنزلة سائر الأفعال من الأكل والشرب، وغير ذلك. كما يقولون في سائر ما نهت عنه الرسل من: الشرك والظلم والفواحش ...
وقد قال سبحانه: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [1] [2]
وقال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) [3] [4] وقال: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [5] [6] .
فهذا وإن كان قال الصحابة والتابعون: إن كل عاص فهو جاهل. كما قد بسط في موضع آخر، فهو متناول لمن يكون [7] علم التحريم أيضًا.
فدل على أنه يكون عاملًا سوءًا، وإن كان لم يسمع الخطاب المبين المنهي
(1) سورة الأنعام، الآية: 54.
(2) قال القرطبي: قال مجاهد: لا يعلم حلالًا من حرام، ومن جهالته ركب الأمر. فكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل. أ. هـ. الجامع لأحكام القرآن (6/ 436) .
وقوله: فكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل عام في جميع العصاة، لأن العاصي لا يخرج عن أحد احتمالين: إما جهلة بالحرمة، وإما علمه بها وجهله بعظم شأن من يعصه تبارك اسمه وتعالى جده وتقدست أسماؤه وعلى كلا الاحتمالين يكون جاهلا.
(3) سورة النساء، الآية: 17.
(4) قال أبو جعفر الطبري بعد ذكره لأقوال المفسرين: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: تأويلها: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء، وعملهم السوء هو الجهالة التي جهلوها عامدين كانوا للإثم، أو جاهلين بما أعد الله لأهلها. أ. هـ. جامع البيان (4/ 203) .
(5) سورة النحل، الآية: 119.
(6) قال القرطبي: قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ) أي: الشرك. قاله ابن عباس. أ. هـ. الجامع لأحكام القرآن (10/ 197) .
(7) هكذا في الأصل وإن كان السياق يقتضي وضع"لمن لم يكن"ودليل ذلك ما جاء بعده.