فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 311

فإن أضاف المريد إلى العزلة الصمت والجوع والسهر فقد كملت ولايته وظهرت عنايته وأشرقت عليه الأنوار وأنمحت من مرآة قلبه صور الأغيار وقد أشار الشيخ إلى بعض ذلك متعجبًا من ضده فقال كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته يشرق بضم الياء أي يستنير ويضيء وصور الأكوان أشخاصها وتماثيلها الحسية والمعنوية والأكوان أنواع المخلوقات دقت أو حلت ومنطبعة أي ثابتة وأنطبع الشيء في الشيء ظهر أثره فيه والمرآة بكسر الميم آلة صقيلة ينطبع فيها ما يقابلها فكلما قوى صقلها قوى ظهور ما يقابلها فيها وأستعيرت هنا للبصيرة التي هي عين القلب التي تتجلى فيها الأشياء حسنها وقبيحها قلت جعل الله قلب الإنسان كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها كا ما يقابلها وليس لها إلا وجهة واحدة فإذا أراد الله عنايته عبد شغل فكرته بأنوار ملكوته وأسرار جبروته ولم يعلق قلبه بمحبة شيء من الأكوان الظلمانية والخيالات الوهمية فأنطبعت في مرآة قلبه أنوار الإيمان والإحسان وأشرقت فيها أقمار التوحيد وشموس العرفان وإلى ذلك أشار الششتري في بعض أزجاله بقوله، أغمض الطرف ترى، وتلوح أخبارك، وأفن عن ذي الورى، تبدو لك أسرارك، وبصقل المري، به يزول إنكارك، ثم قال، الفلك فيك يدور، ويضيء ويلمع، والشموس والبدور، فيك تغيب وتطلع، أي وبصقل مرآة قلبك يزول إنكارك للحق فتعرفه في كل شيء فيصير قلبك قطب فلك الأنوار فيه تبدو أقمار التوحيد وشموس العرفان، وإذا أراد الله تعالى خذلان عبد بعدله وحكمته أشغل فكرته بالأكوان الظلمانية والشهوات الجسمانية فأنطبعت تلك الأكوان في مرآة قلبه فأنحجب بظلماتها الكونية وصورها الخيالية عن أشراق شموس العرفان وأنوار الإيمان فكلما تراكمت فيها صور الأشياء إنطمس نورها وأشتد حجابها فلا ترى إلا الحس ولا تتفكر إلا في الحس فمنها ما يشتد حجابها وينطمس نورها بالكلية فتنكر وجود النور من أصله وهو مقام الكفر والعياذ بالله ومنها ما يقل صداها ويرق حجابها فتقر بالنور ولا يشاهده وهو مقام عوام المسلمين وهم متفاوتون في القرب والبعد وقوة الدليل وضعفه كل على قدر يقينه وقلة تعلقاته الدنيوية وعوائقه الشهوانية وخيالاته الوهمية وفي الحديث أن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد وأن الإيمان يخلق أي يبلى كما يخلق الثوب الجديد الحديث وفي حديث آخر لكل شيء مصقلة ومصقلة القلوب ذكر الله وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع وأستغفر صقلت وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكر الله، كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون أو كما قال عليه السلام وإذا علمت أن القلب ليس له إلا وجهة واحدة إذا قابلها النور أشرقت وإذا قابلتها الظلمة أظلمت ولا تجتمع الظلمة والنور أبدًا علمت وجه تعجب الشيخ بقوله كيف يشرق قلب بنور الإيمان والإحسان وصور الأكوان الظلمانية منطبعة في مرآة قلبه فالضدان لا يجتمعان قال الله تعالى"ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه"فمالك أيها الفقير إلا قلب واحد إذا أقبلت على الخلق أدبرت عن الحق وإذا أقبلت على الحق أدبرت عن الخلق فترحل من عالم الملك إلى الملكوت ومن الملكوت إلى الجبروت وما دمت مقيدًا في هذا العالم بشهواتك وعوائدك فلا يمكنك الرحيل إلى ربك وإلى ذلك أشار بقوله أم كيف يرجل إلى الله وهو مكبل بشهواته الرحيل هو النهوض والإنتقال من وطن إلى وطن وهو هنا من نظر الكون إلى شهود المكون أو من الملك إلى الملكوت أو من الوقوف مع الأسباب إلى رؤية مسبب الأسباب أو من وطن الغفلة إلى اليقظة أو من حظوظ النفس إلى حقوق الله أو من عالم الأكدار إلى عالم الصفا أو من رؤية الحس إلى شهود المعنى أو من الجهل إلى المعرفة أو من علم اليقين إلى عين اليقين أو من عين اليقين إلى حق اليقين أو من المراقبة إلى المشاهدة أو من مقام السائرين إلى وطن المتمكنين والمكبل هو المقيد والمراد بالشهوات كل ما تشتهيه النفس وتميل إليه قلت الرحيل مع التكبيل لا يجتمعان فما دام القلب محبوسًا بالميل إلى شيء من هذا العرض الفاني ولو كان مباحًا في الشرع فهو مقيد به ومكبل في وطنه فلا يرحل إلى الملكوت ولا تشرق عليه أنوار الجبروت فتعلق القلب بالشهوات مانع له من النهوض إلى الله لإشتغاله بالإلتفات إليها وعلى تقدير النهوض معها تكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت