فهرس الكتاب
وهذا الماء الذي هو ماء الغيب هو النازل من صفاء بحار الجبروت إلى حياض رياض الملكوت فتغرقه سحائب الرحمة وتثيره رياح الهداية فتسوقه إلى أرض النفوس الطيبة فتملأ منه أودية القلوب المنورة وخلجان الأرواح المطهرة وإليه الإشارة بقوله تعالى أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فأحتمل السيل زبدًا رابيًا الآية شبه الحق تعالى العلم النافع بالمطر النازل من السماء فكما أن المطر تعمر منه الأودي والغدران وتجري منه العيون والأنهار كل على قدر سعته وكبره كذلك العلم النافع نزل من سماء عالم الغيب إلى أرض عالم الشهادة فسالت به أودية القلوب كل على قدر طاقته وحسب استعداده وكما أن المطر يطهر الأرض من الأوساخ وهو معنى قوله تعالى فأحتمل السيل زبدًا رابيًا أي مرتفعًا على وجه الماء كذلك العلم النافع يطهر النفوس من الأدناس والقلوب من الأغيار والأرواح من الأكدار والأسرار من لوث الأنوار وهذا الماء هو الذي أشار إليه بقوله توضأ بماء الغيب أن كنت ذا سر أي كنت صاحب سر والشهود شهود الوحدة ونفي الكثرة أو شهود العظمة بالعظمة ومن لم يتحقق بهذا فلا يمكنه التطهير بماء الغيب بالكلية لفقده ذلك الماء أو لعدم قدرته عليه فينتقل للتيمم الذي هو رخصة للضعفاء وطهارة المرضى وإلى ذلك أشار بقوله وإلا تيمم بالصعيد أو بالصخر أي وإن لم تقدر على الطهارة الأصلية وهي الغيبة عن السوى لمرض قلبك مع عدم صدقك فأنتقل للطهارة الفرعية التي هي العبادة الظاهرية أو تقول وإن لم تقدر على الطهارة الحقيقية التي هي الطهارة الباطنية فأنتقل للطهارة المجازية التي هي الطهارة الظاهرية أو تقول وإن لم تقدر على طهارة المقربين فأنتقل لطهارة أهل اليمين أو تقول وإن لم تقدر على طهارة أهل المحبة فأنتقل لطهارة أهل الخدمة قوم أقامهم الله لخدمته وقوم إختصهم بمحبته كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا فطهارة أهل المحبة الفكرة والنظرة وطهارة أهل الخدمة بالمجاهدة والمكابدة بين عبادة ظاهرة كصلاة وصيام وذكر وتلاوة وتعليم وغير ذلك وبين عبادة خفية كخوف ورجاء وزهد وصبر وورع ورضى وتسليم ورحمة وشفقة وغير ذلك مما لا يظهر للعيان وهذا هو تصوف أهل الظاهر وأما تصوف أهل الباطن فهو الغيبة عن الأكوان بشهود المكون أو الغيبة عن الخلق بشهود الملك الحق وهو الذي عبر عنه الناظم بماء الغيب فكل من لم يدرك تصوف أهل الباطن فهو من أهل التيمم فإن كان مشغولًا بالعمل الظاهر كالصلاة والصيام ونحوهما فهو كالمتيمم بالصعيد لظهورها كظهور أثر التراب على الجوارح وإن كان مشغولًا بالعبادة الخفية كالزهد والورع ونحوهما فهو كالمتيمم بالصخر لعدم ظهورها في الغالب كعدم ظهور أثر الصخر ولما أمرك بالغيبة عن السوى خاف عليك إنكار الواسطة وإسقاط الحكمة فتقع في الزندقة فقال وقدم إمامًا كنت أنت إمامه والمراد بالأمام هو النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان على قدمه ممن جمع بين الحقيقة والشريعة فأمرك بإتباع الشريعة المحمدية في حال غيبتك عن السوى فيكون ظاهرك سلوكًا وباطنك جذبًا ظاهرك مع الحكمة وباطنك مع القدرة ولا بد أن تقتدي بإمام كامل سلك الطريقة على يد شيخ كامل يعلمك كيفية العمل بالشريعة ويدلك على الحقيقة وإلا بقيت مريضًا على الدوام تستعمل طهارة المرضى على الدوام وأنظر قول القرافي رضي الله عنه لما سقط على شيخ التربية قال تيممت بالصعيد زمانًا والآن سقطت على الماء إذ لا تجد ماء الغيب ولا تقدر على إستعماله إلا بصحبة أهل هذا الماء الذين شربوه وسكروا به ثم صحوا من سكرتهم وسلكوا من جذبتهم فتملكهم زمام أمرك وتنقاد إليهم بكليتك بعد أن أطلعك الله على خصوصيتهم وكشف لك عن أسرارهم فشهدت لهم روحك بالتقديم وسرك بالتعظيم فتقدمهم أمامك بعد إن كنت أنت أمامهم وهم يطلبونك للحضرة وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الناس إلى الله وهم فارون إمامه فلما عرفوا الحق قدموه أمامهم وهذا معنى قوله كنت أنت إمامه وقوله وصل صلاة الفجر في أول العصر وفي بعض النسخ وصل صلاة الظهر في أول العصر أي اجمع ظهر الشريعة لعصر الحقيقة وفي أكثر النسخ وصل صلاة الفجر في أول العصر أي إرجع إلى البقاء بعد كمال الفناء أو إلى السلوك بعد الجذب إذ الغالب على المريد أن يتقدمه السلوك ثم يأتيه الجذب فأوله سلوك