فهرس الكتاب
بحلمه المناقشة والعتاب والله تعالى أعلم فتحصل أن العارف لا يقف مع معصية وأن جلت ولا مع طاعة وأن عظمت وهو معنى قوله لا صغيرة إذا قابلك عدله ولا كبيرة إذا واجهك فضله قلت الصغيرة هي الجريمة التي لا وعيد فيها من القرآن ولا من الحديث والكبيرة هي التي توعد عليها بالعذاب أو الحد في القرآن أو في السنة وقيل غير ذلك هذا كله بالنظر لظاهر الأمر وأما بإعتبار ما عند الله من أمر غيبه وبالنظر إلى حلمه وعدله فقد يبرز خلاف ما يظن قال تعالى وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون فمن سبقت له العناية لا تضره الجناية فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وأن كانت الأعمال علامات فقد تختلف في بعض المقامات فوجب أستواء الرجاء والخوف في بعض المقامات والتسليم لله في كل الأوقات إذ قد تمت كلمات ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته فإذا قابلك الحق سبحانه وتعالى بعدله وجلاله لم تبق لك صغيرة وعادت صغائرك كبائر وإذا واجهك الحق تعالى بفضله وكرمه وأحسانه وجماله لم تبق لك كبيرة وعادت كبائرك صغائر قال يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه إذا أنالهم فضله لم تبق لهم سيئة وإذا وضع عليهم عدله لم تبق لهم حسنة اه وقيل لو وزن رجاء المؤمن وخوفه ما رجح أحدهما على الآخر بل المؤمن كالطائر بين جناحين أو كما قيل قاله الشيخ زروق رضي الله عنه قلت وحديث الرجل الذي تمد له تسع وتسعون سجلًا كل سجل مد البصر ثم تخرج له بطاقة قدر الأنملة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فتطيش تلك السجلات يدل على عظيم حمله ورحمته وشمول كرمه ومنته ولما ذكر رضي الله عنه علامة موت القلب ذكر الأعمال التي توجب حياته فقال لا عمل أرجي للقلوب من عمل يغيب عنك شهوده ويتحقر عندك وجوده قلت هكذا هي نسخة الشيخ بلفظ القلوب وهي أوفق بالسياق إذ الكلام كله في موت القلوب وحياتها يعني أنه لا عمل أرجي لحياة القلوب من عمل يكون بالله ولله غائبًا فيه عما سواه غير ملاحظ فيه حظوظه وهواه متبرءًا فيه من حوله وقواه فإذا أظهرته عليه القدرة غاب عن شهوده وصغر في عينه صورة وجوده لما تجلى في قلبه من عظمة مولاه فصغر عنده كل ما سواه فمثل هذا العمل تحيي به القلوب وتحظي بمشاهدة علام الغيوب وهو روح اليقين وهو حياة قلوب العارفين فإذا أراد الله أن يتولى عبده أنهضه للعمل وصغره في عينه فلا يزال جادًا في عمل الجوارح حتى ينقله إلى عمل القلوب فتستريح الجوارح من التعب ولا يبقي إلا شهود العظمة مع الأدب قال النهر جوري رحمه الله من علامات من تولاه الله في أحواله أن يشهد التقصير في أخلاصه والغفلة في أذكاره والنقصان في صدقه والفتور في مجاهدته وقلة المراعاة في فقره فتكون جميع أحواله عنده مرضية ويزداد فقرًا إلى الله في قصده وسيره حتي يغني عن كل شيء دونه اه وإذا حيي القلب بمعرفة الله كان محلًا لتجلي الواردات الألهية وإلى ذلك أشار بقوله إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردًا قلت الوارد نور إلهي يقذفه الله في قلب من أحب من عباده وهو على ثلاثة أقسام على حسب البداية والوسط والنهاية أو تقول على حسب الطالبين والسائرين والواصلين القسم الأول وارد الأنتباه وهو نور يخرجك من ظلمة لغفلة إلى نور اليقظة وهو لأهل البداية من الطالبين فإذا تيقظ من نومه وأنتبه من غفلته أستوى على قدمه طالبًا لربه فيقبل عليه بقلبه وبقالبه وينجمع عليه بكليته القسم الثاني وارد الأقبال وهو نور يقذفه الله في قلب عبده فيحركه لذكر مولاه ويغيبه عما سواه فلا يزال مشتغلًا بذكره غائبًا عن غيره حتى يمتلأ القلب بالنور ويغيب عما سوى المذكور فلا يرى إلا النور فيخرج من سجن الأغيار ويتحرر من رق الآثار القسم الثالث وارد الوصال وهو نور يستولي على قلب العبد ثم يستولي على ظاهره وباطنه فيخرجه من سجن نفسه ويغيبه عن شهود حسه وقد أشار إلى القسم الأول وهو وارد الأنتباه بقوله إنما أورد عليك إلخ أي إنما أشرق عليك نور اليقظة والأنتباه وهو الوارد لتكون بسببه واردًا عليه وسائرًا إليه ولو لم يورد عليك هذا الوارد لبقيت في وطن غفلتك نائمًا في سكرتك دائمًا في حسرتك ثم أشار إلى القسم الثاني وهو وارد الأقبال فقال أورد عليك الوارد ليتسلمك من يد الأغيار وليحررك من رق الآثار أي إنما أورد عليك وارد الأقبال ليؤنسك بذكر الكبير المتعال فإذا إشتغلت بذكره وغبت