فهرس الكتاب
سميت روحًا فإذا تصفت من غبش الحس سميت سرًا لكونها صارت سرًا من أسرار الله حين رجعت إلى أصلها وهو سر الجبروت فإذا أراد الله تعالى أن يوصل عبده إلى حضرة قدسه ويحمله إلى محل أنسه أمده بواردات الأنوار كالمطايا فيحمل عليها في محفة العناية مروحًا عليه بنسيم الهداية محفوفًا بنصرة الرعاية فترحل الروح من عوالم البشرية إلى عوالم الروحانية حتى تصير سرًا من أسرار الله لا يعلمها إلا الله قل الروح من أمر ربي فالأنوار التي هي الواردات مطايا القلوب تحملها إلى حضرة علام الغيوب وهي أيضًا مطايا الأسرار تحملها إلى جبروت العزيز الجبار فالسلوك هداية والجذب عناية فوارد الأنتباه والأقبال حمله سلوك ووارد الوصال حمله جذب فالأنوار التي هي مطايا القلوب تحملهم على وجهة السلوك إلا أنهم محمولون فيه بحلاوة نور الأنتباه والأقبال فصار سلوكهم كأنه جذب وأما الأنوار التي تحملهم على مطايا الأسرار فأنها تحملهم على جهة الجذب ممزوجًا بسلوك فيكونون بين جذب وسلوك وهذا الحمل أعظم والله تعالى أعلم ثم بين كيفية السير على هذه المطايا وما يعوقها عن السير فقال النور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس فإذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار وقطع عنه مدد الظلم والأغيار قلت الظلمة نكتة تقع من الهوى في النفس عن عوارض الوهم فتوجب العمى عن الحق لتمكن الباطل من الحقيقة فيأتي العبد ويذر على غير بصيرة قاله الشيخ زورق قلت قد تقدم أن النفس والعقل والقلب والروح والسر أسماء لمسمى واحد وهو اللطيفة الربانية النورانية المودعة في هذا القالب الجسماني الظلماني وإنما أختلفت أسماؤها بأختلاف أحوالها وتنقل أطوارها ومثال ذلك كماء المطر النازل في أصل الشجر ثم يصعد في فروعها فيظهر ورقًا ثم نورًا وأزهارًا ثم يعقد ثمرة ثم ينمو حتى يكمل فالماء واحد وأختلفت أسماؤه بإختلاف أطواره هكذا قال الساحلي في بغيته وقد نظمت في ذلك قصيدة ذكرت في غير هذا الكتاب فعلى هذا يكون تقابل القلب مع النفس بالمحاربة كناية عن صعوبة أنتقال الروح من وطن الظلمة التي هي محل النفس إلى وطن النور الذي هو القلب وما بعده فالقلب يحاربها لينقلها إلى أصلها وهي تتقاعد وتسقط إلى أرض البشرية وشهواتها فالقلب له أنوار الواردات تقربه وتنصره حتى يترقي إلى الحضرة التي هي أصله وفيها كان وطنه وكأنها جنود له من حيث أنه يتقوى بها وينتصر على ظلمة النفس.