فهرس الكتاب
فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا وقال ابن عطاء رضي الله عنه كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة ونسيناهم الأستغفار من تلك الخطيئة ثم قال الحق تعالى وأملي لهم أي نمدهم بالعوافي والنعم حتى نأخذهم بغتة قال تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون أي فلما غفلوا عما ذكروا به من العقوبة والعذاب فتحنا عليهم أبواب النعم وبسطنا عليهم الأرزاق الحسية حتى إذا فرحوا بما أوتوا من النعم وتمكنوا منها أخذناهم بالهلاك بغتة أي فجأة فإذا هم مبلسون آيسون من كل خير وهكذا عادة الله في خلقه أن يرسل إليهم من يذكرهم بالله ويدلهم على الله فإذا أعرضوا عنه وردوا عليه قوله بسط عليهم النعم الحسية حتى إذا أطمأنوا وفرحوا بها دمرهم الله وأخذهم بغتة ليكون ذلك أشد في العقوبة قال الشاعر، وأعظم شيء حين يفجؤك البغت، وقال تعالى ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا أثمًا ولهم عذاب مهين فالواجب على الأنسان إذا أحس بنعمة ظاهرة أو باطنة حسية أو معنوية أن يعرف حقها ويبادر إلى شكرها نطقًا وأعتقادًا وعملًا فالنطق الحمد والشكر باللسان والأعتقاد شهود المنعم في النعمة وأسنادها إليه والغيبة عن الواسطة بالقلب مع شكرها باللسان من لم يشكر الناس لم يشكر الله أشكركم لناس أشكركم لله فإذا قال له جزاك الله خيرًا فقد أدى شكرها والشكر بالعمل صرفها في طاعة الله كما تقدم فإن لم يقم بهذا الواجب خيف عليه السلب والأستدراج وهو أقبح والحاصل أن الشكر هو الأدب مع المنعم ومن جاءت على يديه فإن أساء الأدب أدب وقد يؤدب في الباطن وهو لا يشعر كما أشار إلى ذلك بقوله من جهل المريد أن يسييء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الأمداد وأوجب البعاد فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لم يكن إلا منع المزيد وقد تقام مقام البعد وأنت لا تدري ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد قلت من الأمور المؤكدة على المريد الصادق أن برعي الأدب مع الله في كل شيء ويلتزم التعظيم لكل شيء ويحفظ الحرمة في كل شيء فإن أخل بشيء من هذه الأمور وأساء الأدب مع ربه فليبادر بالتوبة والأعتذار مع الذلة والأنكسار فإن أخر التوبة إلى وقت آخر أنقطعت عنه الأمداد وأستوجب الطرد والبعاد وقد لا يشعر بذلك في الحين فيحتج لنفسه ويقول لو كان هذا سوء أدب لا نقطع عني المدد وهذا منه جهل قبيح يفضي إلى العطب أن لم تدركه العناية من رب الأرباب وإنما كان هذا جهلًا من المريد لأنتصاره لنفسه وقت سوء أدبه وعدم شعوره بنقصان قلبه إذ لو كان عالمًا بمخادع النفس لأتهمها وما أنتصر لها ولو كان عارفًا بربه لشعر بنقصان قلبه فقد جمع بين جهالة وجهل فالجهالة هي سوء الأدب الذي صدر منه والجهل هو مخاصمته عن نفسه وأنكاره أن يكون ما صدر منه سوء أدب وما أحتج به من كونه لم يحس بالعقوبة ولو كان ذلك سوء أدب لأحس بقطع الأمداد ولأوجب الطرد والبعاد لا ينهض فقد يقطع عنه المدد وهو لا يشعر ومثال ذلك الأشجار التي على الماء فإذا قطع عنها الماء لا يظهر أثر العطش عليها إلا بعد حين فإذا طال الأمر يبست شيئًا فشيئًا كذلك قلب المريد قد لا يحس بقطع المدد في القرب حتى يغرق في الوهم ويحترق بالحس فإن كانت له سابقة خير تاب وأصلح ما أفسد فيرجع إليه المدد وأن لم تكن له سابقة رجع إلى وطنه وأقام في بعده نسأل الله السلامة من سلب نعمته بعد عفائه ولو لم يكن من العقوبة إلا منع المزيد من السير أو الترقي لكان كافيًا لأن من لم يكن في زيادة فهو في نقصان ومن كان يومه شرًا من أمسه فهو في الخسران وقوله في الأحتجاج أيضًا لو كان هذا سوء أدب لا وجب البعاد فقد يقام مقام البعد وهو يظن أنه في محل القرب لأن مراتب القرب والبعد لا نهاية لها وما من مقام في القرب إلا وما بعده أعظم منه حتى يكون ذلك القرب بالنسبة إلى ما بعده بعدًا ولو لم يكن ذلك البعد إلا أن يتركك مع ما تريد لكان كافيًا في الطرد والبعد إذ ترك البعد مع هواه وشهواته من علامة الأهمال وأخراج العبد عن هواه وما تركن إليه نفسه من علامة الأعتناء والأقبال فإذا أعتني الله تعالى بعبد وأراد أن يوصله إلى حضرته شوش عليه كل ما تركن إليه نفسه وأزعجه طوعًا أو كرهًا