فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 105""""""
وَكُفْرَانًا جَحَدَهَا وَسَتَرَهَا ( بِحَرْبِهِمْ ) أَيْ فِي أَمْرِ حَرْبِهِمْ وَجِهَادِهِمْ وَمَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى خِذْلانِهِمْ وَفَشَلِهِمْ ( وَ ) الْمَوْضِعُ الثَّانِي إذَا كَانَ لِغَيْرِ ( الْعِرْسِ ) يَعْنِي وَهِيَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعِرْسُ بِالْكَسْرِ امْرَأَةُ الرَّجُلِ وَرَجُلُهَا جَمْعُهُ أَعْرَاسٌ .
وَالْمَوْضِعُ الثَّالِثُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ( أَوْ ) يَكُونُ الْكَذِبُ لِغَيْرِ ( إصْلاحِ ) ذَاتِ بَيْنِ ( أَهْلِ التَّنَكُّدِ ) بِمَا يُذْهِبُ وَغْرَ صُدُورِهِمْ وَيَجْمَعُ شَمْلَهُمْ وَيَضُمُّ جَمَاعَتَهُمْ وَيُزِيلُ فُرْقَهُمْ .
وَالإِصْلاحُ ضِدُّ الإِفْسَادِ .
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الصَّلاحُ ضِدُّ الْفَسَادِ , وَأَصْلَحَهُ ضِدُّ أَفْسَدَهُ , وَالتَّنَكُّدُ التَّعَاسُرُ .
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: تَنَاكَدَا تَعَاسَرَا .
وَنَاكَدَهُ عَاسَرَهُ , وَأَصْلُ النَّكِدِ الشِّدَّةُ وَالْعُسْرَةُ , يُقَالُ نَكِدَ كَفَرِحَ , وَرَجُلٌ نَكَدٌ شُومٌ , وَقَوْمٌ أَنْكَادٌ وَمَنَاكِيدُ .
وَأَمَّا قَوْلُ كَعْبٍ رضي الله عنه مِنْ بَانَتْ سُعَادُ: قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نَكَدُ مثاكيل , فَالْمُرَادُ بِالنَّكَدِ فِي كَلامِهِ اللاتِي لا يَعِيشُ لَهُنَّ وَلَدٌ , الْوَاحِدَةُ نُكْدَى كَمَا قَالَهُ الإِمَامُ ابْنُ هِشَامٍ .
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رضي الله عنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ( لا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إلا فِي ثَلاثٍ: الرَّجُلُ يَكْذِبُ فِي الْحَرْبِ وَالْحَرْبُ خُدْعَةٌ , وَالرَّجُلُ يَكْذِبُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمَا , وَالرَّجُلُ يَكْذِبُ لِلْمَرْأَةِ لِيُرْضِيَهَا بِذَاكَ ) قَالَ الإِمَامُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الآدَابِ الْكُبْرَى: وَيَحْرُمُ الْكَذِبُ لِغَيْرِ إصْلاحٍ وَحَرْبٍ وَزَوْجَةٍ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٍ لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ إلا بِالْكَذِبِ فَهُوَ مُبَاحٌ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ مُبَاحًا , وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَهُوَ وَاجِبٌ .
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهُوَ مُرَادُ الأَصْحَابِ .
وَمُرَادُهُمْ هُنَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْكَذِبُ إذَا كَانَ فِيهِ عِصْمَةُ مُسْلِمٍ مِنْ الْقَتْلِ .
وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ يَحْرُمُ أَيْضًا لَكِنْ يَسْلُكُ أَدْنَى المفسدتين لِدَفْعِ أَعْلاهُمَا .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ حَسَنٌ حَيْثُ جَازَ لا إثْمَ لِي فِيهِ , وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ الإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ: يَجُوزُ كَذِبُ الإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرَ ذَلِكَ الْغَيْرِ إذَا كَانَ يَتَوَصَّلُ بِالْكَذِبِ إلَى حَقِّهِ , كَمَا كَذَبَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلاطٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَخَذَ مَالَهُ مِنْ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةً لَحِقَتْ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ الْكَذِبِ , وَأَمَّا مَا نَالَ مَنْ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الأَذَى وَالْحُزْنِ فَمَفْسَدَةٌ يَسِيرَةٌ فِي جَنْبِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِالْكَذِبِ , لا سِيَّمَا تَكْمِيلُ الْفَرَحِ وَزِيَادَةُ الإِيمَانِ الَّذِي حَصَلَ بِالْخَبَرِ الصَّادِقِ بَعْدَ هَذَا الْكَذِبِ , وَكَانَ الْكَذِبُ سَبَبًا فِي حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ .
قَالَ وَنَظِيرُ هَذَا الإِمَامُ وَالْحَاكِمُ يُوهِمُ الْخَصْمَ خِلافَ الْحَقِّ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى اسْتِعْمَالِ الْحَقِّ .
كَمَا أَوْهَمَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ بِشَقِّ الْوَلَدِ نِصْفَيْنِ حَتَّى يَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِ أُمِّهِ انْتَهَى .
وَقِصَّةُ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلاطٍ كَمَا ذَكَرَهَا الإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي الْهَدْىِ النَّبَوِيِّ وَابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ وَأَهْلِ السَّيْرِ وَالْمَغَازِي وَذَكَرْتهَا فِي كِتَابِي تَحْبِيرِ الْوَفَا فِي سِيرَةِ الْمُصْطَفَى , قَالَ فِي الْهَدْيِ: وَكَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلاطٍ السُّلَمِيُّ قَدْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ فَتْحَ خَيْبَرَ وَكَانَتْ تَحْتَهُ شَيْبَةُ أُخْتُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ قَصِيٍّ .
أَيْ وَهُوَ أَبُو نَصْرٍ الَّذِي نَفَاهُ عُمَرُ رضي الله عنه لَمَّا سَمِعَ أُمَّ