الصفحة 2 من 2

جاء في البحر الرائق: من الأمور التي يكون بها التطهير انقلاب العين، ومضى إلى أن قال:"وإن كان في غيره - أى الخمر - كالخنزير والميتة تقع في المملحة فتصير ملحا يؤكل، والسرجين والعذرة تحترق فتصير رمادا عند محمد [1] 0"

وفي فتح القدير [2] : العصير طاهر فيصير خمرا ويصير خلا فيطهر، فعرفنا أن استحالة العين تستبع زوال الوصف المرتب عليها0 وعلى قول محمد فرّعوا الحكم بطهارة صابون صنع من زيت نجس0""

وذهب المالكية إلى أن مااستحال إلى صلاح فهو طاهر وأن ماااستحال إفساد فهو نجس0

جاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه:"من الطاهر لبن الآدمي ولو كان نافرا لاستحالته إلى الصلاح [3] 0"

ثم جاء في موضع آخر: إذا تغيّر القىء، وهو الخارج من الطعام بعد استقراره في المعدة، كان نجسا، وعلة نجاسته الاستحالة إلى فساد، فإن لم يتغير كان طاهرا [4] 0""

وعليه فإن انقلاب العين النجسة الى عين أخرى، كأن احترقت فصارت رمادا أو دخانا فهى طاهرة، قياسا على طهارة الخمر بتخللها، وسواء في ذلك انقلبت بنفسها أو بفعل فاعل 0 وعلى هذا فإن أية نجاسة عينية إذا تحولت إلى عين أخرى بخصائص تركيبية مخالفة، فإنها تعتبر طاهرة، كانتقال عظام الميتة بعد حرقها إلى أعيان جديدة من دخان ورماد [5] 0""

وقد وافق ابن تيمية ما ذهب إليه المالكية والأحناف، فقال:"وهذا هو الصواب المقطوع به، فإن هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم، لا لفظا ولا معنىً، فليست محرمة، ولا في معنى التحريم، فلا وجه لتحريمها، بل تتناولها نصوص الحلّ فإنها من الطيبات وأيضا في معنى ما اتفق على حلّه، فالنص والقياس يقتضي تحليلها، وعلى هذا استحالة الدم أو الميتة أو لحم الخنزير، وكل عين نجسة استحالت إلى عين ثانية [6] 0"

ويقول ابن تيمية في موضع آخر:"وإذا وقعت النجاسة كالدم أو الميتة أو لحم الخنزير في الماء أو غيره واستهلكت لم يبق هناك دم ولا لحم خنزيرا أصلا، كما أن الخمر إذا استحالت بنفسها وصارت خلًا كانت طاهرة باتفاق العلماء0 وهذا عند من يقول: إن النجاسة إذا استحالت طهرت أقوى، كما هو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد، فإن انقلاب النجاسة ملحا أو ترابا أو رمادا أو هواءً، ونحو ذلك، والله تعالى قد أباح لنا الطيبات [7] "

وبالقياس على ما أوردنا فإن الجيلاتين المتكون بالاستحالة من جلود الحيوانات أو عظامها أو أحشائها طاهر ويجوز أكله واستعماله في الغذاء والدواء والله تعالى أعلم 0

أما المواد الدهنية الحيوانية المصدر المستعملة في المؤكولات المنتشرة في البلاد الغربية فتعتريها الشبة أو الحرمة، لأنها كثيرا ما تختلط بدهن الخنزير؛ ومن المعروف أن البيانات واللصاقات الموجودة على هذه الأطعمة لاتذكر مصدر المواد الدسمة الحيوانية بل تكتفي بذكر كلمة"دهن حيواني"فقط0

ولذا فإما أن يقوم المستهلك أو المؤسسات الإسلامية بسؤال الشركات الصانعة عن مصدر المواد الدهنية الحيوانية، ومن حقها أن تحصل على الجواب الصحيح تبعا لقانون حماية المستهلك أو تمتنع عن استعمال المادة الغذائية المشتملة على الدهون الحيوانية للاشتباه باختلطها بدهن الخنزير0

والله تعالى أعلم

(1) - البحر الرائق 1/ 239

(2) - شرح فتح القدير 1/ 200 وانظر الحاشية لابن عابدين 1/ 315 - 317

(3) - الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1/ 50

(4) - الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1/ 57

(5) - أسهل الدارك ج1/ 40 وانظر القوانين /34

(6) - مجموع الفتاوى لابن تيمية ج21/ 68

(7) - مجموع الفتاوى لابن تيمية ج21/ 500 وانظر إعلام الموقعين لابن القيم ج1/ 12

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت