وكذلك كان الصالحون من بعده صلى الله عليه وسلم .. يستعدون للموت .. بالإكثار من الطاعات ..
والمسارعة إلى القربات ..
وهم مع كثرة أعمالهم .. وحسن أفعالهم .. إذا فجأهم الموت .. رجوا رحمة ربهم ..
وخافوا من عقابه .. ولم يركنوا إلى أعمالهم ..
عمر بن الخطاب .. الخليفة الراشد ..
الذي نصر الدين .. وجاهد لرب العالمين .. وأطفأ نيران دولة المجوس ..
حقد عليه الكافرون ..
وكان من أكثرهم حقدًا .. أبو لؤلؤة المجوسي ..
وكان عبدًا نجارًا حدادًا في المدينة .. وكان يصنع الرحاء .. جمع رحى وهي آلة لطحن
الشعير .. وهي حجران مصفحان يوضع أحدهما فوق الآخر ويطرح الحب بينهما .. وتدار
باليد .. فيطحن ..
أخذ هذا العبد يتحين الفرص للانتقام من عمر ..
فلقيه عمر يومًا في طريق فسأله وقال:
حدثت أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟!
فالتفت العبد عابسًا إلى عمر ..
وقال: بلى .. لأصنعن لك رحى يتحدث بها أهل المشرق والمغرب ..
فلتفت عمر إلى من معه .. وقال:
توعدني العبد ..
ثم مضى العبد وصنع خنجرًا له رأسان .. مقبضه في وسطه .. فهو إن طعن به من هذه الجهة
قتل .. وإن طعن به من الجهة الأخرى قتل .. وأخذ يطليه بالسم ..
حتى إذا طعن به .. يقتل إما بقوة الطعن أو السم ..
ثم جاء .. في ظلمة الليل .. فاختبأ لعمر في زاوية من زوايا المسجد ..
فلم يزل هناك حتى دخل عمر إلى المسجد ينبه الناس لصلاة الفجر ..
ثم أقيمت الصلاة .. وتقدم بهم عمر .. فكبر ..
فلما ابتدأ القراءة ..
خرج عليه المجوسي .. وفي طرفة عين .. عاجله .. بثلاث طعنات ..
وقعت الأولى في صدره والثانية في جنبه .. والثالثة تحت سرته ..
فصاح عمر .. ووقع على الأرض ..
وهو يردد قوله تعالى: وكان أمر الله قدرًا مقدورًا ..
وتقدم عبد الرحمن بن عوف وأكمل الصلاة بالناس ..
أما العبد فقد طار بسكينه يشق صفوف المصلين .. ويطعن المسلمين .. يمينًا وشمالًا ..
حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا .. مات منهم سبعة ..
ثم وقف شاهرًا سكينه ما يقترب منه أحد إلا طعنه .. فاقترب منه رجل وألقى عليه رداءً
غليظًا ..
فاضطرب المجوسي .. وعلم أنهم قدروا عليه .. فطعن نفسه ..
وحُمِل عمر مغشيًا عليه إلى بيته .. وانطلق الناس معه يبكون ..
وظل مغمى عليه .. حتى كادت أن تطلع الشمس ..
فلما أفاق .. نظر في وجوه من حوله .. ثم كان أول سؤال سأله .. أن قال:
أصلى الناس؟ قالوا: نعم ..
فقال: الحمد لله .. لا إسلام لمن ترك الصلاة ..