فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 25

قال: إذًا .. لماذا بكيت ..

فقال عبد الله: أبكي لأنه ليس لي إلا نفس واحدة تلقى في هذا القدر .. فتموت ..

ولقد وددت والله أن لي مائة نفس كلها تموت في سبيل الله .. مثل هذه الموتة ..

فقال له قيصر: قبل رأسي وأخلي عنك؟

فقال له عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين عندك ..

قال: نعم ..

فقبل رأسه .. ثم أطلقه مع الأسرى ..

عجبًا!! لله دره!!

أين نحن اليوم من مثل هذا الثبات .. ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ..

إن من المسلمين اليوم .. من يتنازل عن دينه .. لأجل دراهم معدودات .. أو تتبع

الشهوات .. أو الولوغ في الملذات .. ثم يختم له بالسوء والعياذ بالله ..

ومن عدل الله تعالى أن العبد يختم له في الغالب على ما عاش عليه ..

فمن كان في حياته يشتغل بالذكر والقيام .. والصدقات والصيام .. ختم له بالصالحات ..

ومن تولى وأعرض عن الخير .. خشي عليه أن يموت على ما اعتاد عليه ..

ولأجل هذا الفرق العظيم .. كان الصالحون يستعدون للموت قبل نزوله ..

بل يغتنم أحدهم آخر الأنفاس واللحظات .. في التزود ورفع الدرجات ..

فتجده يجاهد .. ويأمر بالمعروف .. وينهى عن المنكر .. ويشتغل بالطاعات .. إلى آخر

نفس يتنفسه ..

ثبت الصحيحين وغيرهما ..

أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما رجع من حجة الوداع ..

جعل مرض الموت يشتد عليه .. يومًا بعد يوم .. وهو في كلمة يتكلمها .. ونظرة ينظرها

يودع هذه الدار ..

ولما اشتدت عليه الحمى .. وأيقن النقلة للدار الأخرى ..

أراد أن يودع الناس ..

فعصب رأسه ..

ثم أمر الفضل بن العباس أن يجمع الناس في المسجد .. فجمعهم .. فاستند صلى الله عليه وسلم

إليه .. حتى رقى إلى المنبر .. ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أما بعد ..

أيها الناس .. إنه قد دنى مني خلوف من بين أظهركم ..

ولن تروني في هذا المقام فيكم ..

ألا فمن كنت جلدت له ظهرًا .. فهذا ظهري فليستقد منه ..

ومن كنت أخذت له مالًا .. فهذا مالي فليأخذ منه ..

ومن كنت شتمت له عرضًا .. فهذا عرضي فليستقد منه ..

ولا يقولن قائل إني أخشى الشحناء ..

ألا وإن الشحناء ليست من شأني .. ولا من خلقي ..

وإن أحبكم إلي من أخذ حقًا .. إن كان له علي ..

أو حللني فلقيت الله عز وجل .. وليس لأحد عندي مظلمة ..

ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ومضى إلى بيته .. وبدأت الحمى تأكل جسده .. وهو يتحامل

على نفسه ويخرج إلى الناس ويصلي بهم ..

حتى صلى بأصحابه المغرب .. من يوم الجمعة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت