لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم، وينقبوا في ضمائرهم، وفي واقعهم، لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله، ويتذللون له، ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة، بقلوب موقنة، فيرفع الله عنهم البلاء، ويفتح لهم أبواب السماء.. ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريًا أن يفعلوا، لم يلجؤوا إلى الله، ولم يرجعوا عن عنادهم وعصيانهم، ولم ترد إليهم الشدة وعليهم، ولم تفتح بصيرتهم، ولم تلن قلوبهم، وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد: { وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
والقلب الذي لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة، ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس، وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه؛ فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة التي تنبه القلوب الحية للتلقي والاستجابة، والشدة ابتلاء من الله للعبد؛ فمن كان حيًا أيقظته، وفتحت مغاليق قلبه، وردته إلى ربه، وكانت رحمة له من الرحمة التي كتبها الله على نفسه، ومن كان ميتًا حُسبت علليه، ولم تفده شيئًا، وإنما أسقطت عذره وحجته، وكانت عليه شقوة، وكانت موطئة للعذاب.