""""""صفحة رقم 18""""""
ولا تفصح عما تكون الكناية عنه أستر للعيب ، وأنفى للريب ؛ فإن الكلام صلفٌ تياه لا يستجيب لكل إنسان ، ولا يصحب كل لسان ؛ وخطره كثير ، ومتعاطيه مغرور ، وله أرنٌ كأرن المهر وإباءٌ كإباء الحرون ، وزهوٌ كزهو الملك ، وخفقٌ كخفق البرق ؛ وهو يتسهل مرةً ويتعسر مرارًا ، ويذل طورًا ويعز أطوارًا ؛ ومادته من العقل والعقل سريع الحؤول خفي الخداع ؛ وطريقه على الوهم ، والوهم شديد السيلان ومجراه على اللسان ، واللسان كثير الطغيان ؛ وهو مركب من اللفظ اللغوي والصوغ الطباعي ، والتأليف الصناعي ، والاستعمال الاصطلاحي ، ومستملاه من الحجا ، ودريه بالتمييز ؛ ونسجه بالرقة ، والحجا في غاية النشاط وبهذا البون يقع التباين ويتسع التأويل ، ويجول الذهن ، وتتمطى الدعوى ، ويفزع إلى البرهان ، ويبرأ من الشبهة ، ويعثر بما أشبه الحجة وليس بحجة ؛ فاحذر هذا النعت وروادفه ، واتق هذا الحكم وقوائفه ؛ ولا تعشق اللفظ دون المعنى ولا تهو المعنى دون اللفظ ؛ وكن من أصحاب البلاغة والإنشاء في جانب ، فإن صناعتهم يفتقر فيها أشياء يؤاخذ بها غيرهم ، ولست منهم ، فلا تتشبه بهم ، ولا تجر على مثالهم ، ولا تنسج على منوالهم ، ولا تدخل في غمارهم ، ولا تكثر ببياضك سوادهم ، ولا تقابل بفكاهتك براعتهم ، ولا تجذب بيدك رشاءهم ، ولا تحاول بباعك مطاولتهم