الصفحة 1 من 5

بسم الله الرحمن الرحيم

حالنا مع القرآن في رمضان

بقلم / د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:

فإن من حكمة الله ورحمته ولطفه بعباده أن هيأ لهم مواسم للطاعات، تنشرح فيها صدورهم لعمل الصالحات، واغتنام الأوقات، ووعدهم على ذلك جزيل الهبات. (وربك يخلق ما يشاء ويختار) ؛ فاختار من الناس محمدًا، ومن البقاع مكة والمدينة، ومن الأيام يوم النحر، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الأشهر شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان. وأودع الله في قلوب عباده المؤمنين شوقًا دفينًا لهذا الشهر، فما أن يستدير العام حتى تخفق تلك القلوب لمقدمة، وتتشوف لاستقباله، كما يستقبل الضيف الحبيب الذي طال غيابه. وكأن المؤمن قد ناء بحمل الأثقال من الخطايا والغفلات، فما أن يهل الشهر ويحل إلا وقد ألقاها عن كاهله، واطرح بين يدي ربه يتوب إليه ويستغفره، ثم يقبل على قلبه يجلو صدأه، ويميط الران عنه، حتى يعود صقيلًا مضيئًا، مثل السراج يزهر. روى الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه؛ يقول: (قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه. تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين. فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم) وإسناده صحيح. قال ابن رجب، رحمه الله: (قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بشهر رمضان) لطائف المعارف: 279.

ورمضان في ضمير المؤمن موسم قربة وإخبات، واستكثار من الأعمال الصالحات. وقد تعرض هذا الوعي الإيماني في السنوات الأخيرات لقدر من التشويه والانحراف؛ فصار في حس بعض الناس موسمًا للتسوق والتفنن في الأكلات والوجبات، وعند آخرين مهرجانًا للأفلام والمسرحيات التي تقيء بها الفضائيات، ويقترن عند طائفة بذكر النوم والكسل وترك الأعمال والواجبات!! وكل هذا وذاك باطل ما أنزل الله به من سلطان، ولا كان من شأن أهل الإسلام، وإنما طرأ على مجتمعاتهم في غيبة من العلم وغفلة عن الذكر، وهجمة من الذين يتبعون الشهوات. أنشد بعض السلف:

أتى رمضان مزرعة العباد *** لتطهير القلوب من الفساد

فأدِّ حقوقه قولًا وفعلًا *** و زادك فاتخذه للمعاد

فمن زرع الحبوب وما سقاها *** تأوه نادمًا يوم الحصاد

ولم يزل الصالحون يشبهون رمضان بالمزرعة، وحلولَه بالموسم، ومن شأن ذلك أن يستغل. قال ابن منظور: (استغلال المستغلات أخذ غلتها) لسان العرب:10/ 110

ولا يتم هذا الاستغلال، بشكل تام، إلا بتحقق ثلاثة أمور:

الأول: التهيؤ الإيماني لاستقبال هذا الشهر؛ بأن يورد المسلم على قلبه المؤثرات الإيمانية من المحبة، والخوف، والرجاء، التي تؤهله لاغتنامه بالعمل الصالح.

الثاني: التخطيط الجيد للوقت، ورسم برنامج يومي متوازن لتحقيق المقاصد المختلفة.

الثالث: العلم الشرعي بمحبوبات الله ومراضيه التي ينبغي السعي في تحصيلها في هذا الشهر. وقد اجتمعت في هذا الشهر الكريم أمهات العبادات.

هذا وإن من أخص العبادات بشهر رمضان ما يتعلق بالقرآن العظيم؛ تلاوةً، وتدبرًا، ومدارسةً، وقيامًا. كيف لا! وهو شهر القرآن الذي ابتدأ تنزله فيه، قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) البقرة: 185. وقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) القدر: 1. وقال: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) الدخان: 3. فرمضان أخص الشهور بالقرءان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت