فهرس الكتاب
3_ كان سبب إنشاء هذه الرسالة في الصداقة والصديق أني ذكرت شيئًا منها لزيد بن رفاعة أبي الخير، فنماه إلى ابن سعدان الوزير أبي عبدالله سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة قبل تحمله أعباء الدولة، وتدبيره أمر الوزارة، حين كانت الأشغال خفيفة، والأحوال على إذلالها جارية، فقال لي ابن سعدان: قال لي زيد عنك كذا وكذا، قلت: قد كان ذاك، قال: فدوِّن هذا الكلام، وصِلْهُ بصلاته مما يصح عندك لمن تقدم؛ فإنَّ حديث الصديق حلو، ووصف الصاحب المساعد مطرب؛ فجمعت ما في هذه الرسالة، وشُغل عن ردِّ القول فيها، وأبطأت أنا عن تحريرها إلى أن كان من أمره ما كان.
فلما كان هذا الوقت _ وهو رجب سنة أربعمائة _ عثرت على المسودة وبيضتها على نحيلها، فإن راقتك فذاك الذي عزمتُ بنيِّتي، وحولي، واستخارتي، وإن تزحلقتُ عن ذلك فللعذر الذي سحبتُ ذيله، وأرسلت سيله.ص 35
4_ واسترسال الكلام في هذا النمط شفاءٌ للصدر، وتخفيف من البُرَحاء، وانجياب للحرقة، واطراد للغيظ، وبرد للغليل، وتعليل للنفس، ولا بأس بإمرار كل ما لاءمه، ودخل في حوزته، وإن كان آخره لا يدرك، وغايته لا تملك.ص37 _ 38
5_ قال صالح بن عبدالقدوس:
بُنيَّ عليك بتقوى الإله ... فإنَّ العواقب للمتَّقي
وإنك ما تأتِ من وجهه ... تجدْ بابه غير مُستغلقِ
عدوك ذو العقل أبقى عليك من الصاحب الجاهل الأخرقِ
وذو العقل يأتي جميل الأمور ... ويعمدُ للأرشد الأوفقِ
ص 38
6_ فأما الذي قال في أصدقائه وجلسائه الخير، وأثنى عليهم الجميل، ووصف جدَّه بهم، ودلَّ على محبته لهم _ فغريب!.
قال بعضهم:
أنتم سروري وأنتم مُشتكى حَزَني
... وأنتم في سَواد الليل سُمَّاري
أنتم وإن بَعُدت عنَّا منازلكم
... نوازلٌ بين أسراري وتذكاري
فإن تكلمتُ لم أَلْفِظْ بغيركُمُ ... وإن سكتُّ فأنتم عَقْدُ إضماري
الله جارُكُم مما أحاذرُه ... فيكم وحبي لكم من هجركم جاري
ص38