فهرس الكتاب
_ قالت الحكماء: التجارب عقل ثان، ودليل هاد، وأدب للدهر؛ فافهم عن الأيام أخبارها، فقد أوضحت لك آثارها، واتعظ بما وعظك منها، وتَأَملْ ما ورد عليك من أحوالها تَأَمُّلَ ذي فكرة منها؛ فإن الفكرة تدرأ عنك عمى الغفلة، وتكشف لك عن مستخفيات الأمور.ص325
_ وقالوا: الدهر أفصح المؤدبين؛ وكفاك من كل يوم خبر يورده عليك، وإنما الأيام مراقي الأدب، ودرجات إلى العلم الأكبر، فمن فهم عنها أورث زيادة، وسطع نور علمه، ولم يفتقر إلى غير نفسه، ولو صحب ذو الغفلة أيام الدنيا بعجائب ما تصرفت به على القرون لم يزل جذعًا في الغرة، ومتدلهًا فيما يحدث؛ لأن الغفلة ظلمة راكدة، والمعرفة مصباح الخلقة.ص325
_ وقد قيل: إذا رأيت ذا العمر الطويل والسن القديم يكثر التعجب مما يرى ويسمع_ فذلك لقلة حفظه للتجارب، ولسهوه عما مرت به عليه الليالي.
_ وقالوا: الفهم خزانة العقل؛ ونور يبصر به ما أمامه، وإنما نكص على عقبيه من خانه فهمه، وخذله عقله، وضيع ما استودعته الأيام، فكأنه ابن يومه، أو نتيج ساعته، وحسبك مؤدبًا لخصالك، ومثقفًا لعقلك_ ما رأيته من غيرك: من حسن تغبط به، أو قبيح تذم عليه.ص325_326
_ وقد قيل: نفسك تقتضيك ما عودتها من خير أو شر.ص326
_ وقيل: لسانك يقتضيك ما عوَّدته.ص326
13-باب البلاغة
_ قلت _وبالله التوفيق_: كلام المخلوقين تتميز فيه البلاغة من العي، والفصاحة من اللَّكن، وأما كلام الخالق _تبارك وتعالى_ فعقول البلغاء تعجز عن تدبر بلاغته، وتحار في اطراد فصاحته، فماذا يورد المورد منه؟! وبماذا يترجم عنه؟!