فهرس الكتاب

‹
الصفحة 36 من 36

و ما كلام المتكلم إلا صورة الحال الغالبة عليه من بين تلك الأحوال. هذا مقياس تستطيع أن تتبين به في كل لسان وقلم، أى القوتين كان خاضعًا لها حين قال أو كتب. فإذا رأيته يتجه الى تقرير حقيقة نظرية، أو وصف طريقة علمية، قلت: هذا ثمرة الفكرة."واذا"رأيته يعمد الى تحريص النفس أو تنفيرها، وقبضها أو بسطها، واستثارة كوامن لذاتها أو ألمها، قلت: هذا ثمرة العاطفة."هذا"رأيته قد انتقل من أحد هذين الضربين الى الآخر، فتفرغ له بعد ما قضى وطره من سابقه، كما ينتقل من غرض الى غرض، عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه. وأما أن أسلوبًا واحدًا،. يتجه اتجاهًا واحدًا، يجمع لى يديك هذين الطرفين معًا، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقًا و أزهارًا و أثمارًا معًا، أو كما يسرى الروح في الجسد، والماء في العود الأخضر، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولاهو من سنن الله في النفس الإنسانية. فمن لك اذن بهذا الكلام الواحد الذى يجىء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضى أولئك الفلاسفة المتعمقين، ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضى حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟ ذلك الله رب العالمين. فهو الذى لا يشغله شأن عن شأن. وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معًا بلسان، وأن يمزج الحق والجمالي معًا، يلتقيان ولا يبغيان، وأن يخرج من بينهما شرابًا خالصا سائغًا للشاربين. وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت. ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره، لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت