الصفحة 41 من 102

وقال ابن جرير الطبري رحمه الله: ورويت عن أنس بن مالك وابن محيريز ، وهانئ بن كلثوم وغيرهم أنهم قصروا فيما بين الرملة وبيت المقدس ، فكيف تدعي من علماء الأمة إجماعا على أن قصر الصلاة غير جائز في قدر مسافة ما بين المدينة وذي الحليفة ؟ قيل: مسافة ما بين المدينة وذي الحليفة أقل من أربعة فراسخ ، وأقل من مسافة ما بين الرملة وبيت المقدس ، ولا أحد ممن روي عنه قصر الصلاة في قدر ما ذكرت يرى جواز قصرها فيما بين المدينة وذي الحليفة ، أو في قدر ذلك من المسافة ، فصح ما قلناه في تأولنا قول ابن السمط الذي ذكرناه عنه ، فعل عمر الذي روى عنه على ما بينا وتأولنا ، وليس هذا الموضع من موضع الإبانة عن قدر المسافة التي يجوز قصر الصلاة لمن سارها ، فنشتغل بالبيان عن صحة ما نقول: فيه وفساد ما خالفه ، وإنما اكتفينا بقدر ما بينا من ذلك في هذا الموضع ، لأن قصدنا فيه كان الإبانة عن معنى الخبر الذي روينا عن ابن السمط ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه بخلاف المعنى الذي يسبق إلى وهم أهل الغباوة ، فإذ كان معنى الخبر الذي روينا عن ابن السمط ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا ، فبين بذلك أن لمن خرج مسافرا إلى غاية يجوز له قصر الصلاة إليها ، أن له القصر حين يخرج من البلدة التي ابتدأ منها سفره فيخلفها وراءه حتى لا يكون شيء منها أمامه ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قصر بذي الحليفة صلاته ، وقد خرج من مدينته يريد سفرا تقصر في مثله الصلاة ، كان معلوما بذلك أن ما كان خارجا عن مدينته ، مما ليس هو منها في معنى ذي الحليفة ، في أن له قصر الصلاة عنده ، إذا كان قد ابتدأ سفرا إلى غاية تقصر إليها الصلاة وبذلك جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجمعت على القول به علماء الأمة. [1]

(1) تهذيب الآثار: 2/911.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت