الصفحة 65 من 79

و خاصيتها الخامسة هي أن كثيرا من رجالها قد تخصصوا في الكذب و تفرّغوا له ، برواية و اختلاق الأكاذيب و الأباطيل ، و العجائب و المستحيلات . فكان أحدهم يصلي عامة ليله ، و في الصباح يجلس للكذب . و كان آخر يشتغل في النهار قاضيا و في الليل يتفرغ للكذب . و وَجدت ببغداد جماعة متعاونة على الكذب .و كانت أخرى محترفة للكذب حتى سماها الناس جماعة الكذابين . كل ذلك يؤكد أن ظاهرة الكذابين لم تكن حالة شاذة يمثلها بعض الناس ، و إنما كانت تمثل تيارا فكريا جارفا نشطا ، يمتد في المجتمع أفقيا و عموديا ، و يحمل مختلف مظاهر التعاون و التنظيم .

و آخرها - أي الخصائص - أن رجالها الكذابين فرقتهم مذاهبهم الفكرية ،و تخصصاتهم العلمية ،و أهدافهم المرجوة ، و جمعهم الكذب على رسول الله - صلى الله عليه و سلم - خاصة ، و صحابته الكرام ، و من جاء بعدهم عامة .

ثالثا: آثارها السيئة على التاريخ الإسلامي:

تركت مدرسة الكذابين آثارا سيئة للغاية على تاريخنا الإسلامي عامة ،و على القرون الثلاثة الأولى خاصة . أذكر بعضها فيما يأتي تباعا إن شاء الله تعالى .

أولها إن روايات رجالها الكذابين قد تسرّبت إلى مصنفاتنا التاريخية و الأدبية ،و الشرعية و الكلامية ، و أفسدت منها جانبا كبرا ، فأصبحت تلك المصنفات تضم في طياتها كثيرا من الأباطيل و المتناقضات و الخرافات ، التي هي ثمرة مرة خبيثة لأكاذيب رجال مدرسة الكذابين . فبخصوص المصنفات التاريخية نأخذ كتاب تاريخ الأمم و الملوك (1) لابن جرير الطبري (ت310ه) ، كنموذج للإطلاع على مدى احتوائه على روايات كبار الكذابين .

(1) هو أهم و أوسع كتب التاريخ الإسلامي المسندة ، عن القرون الثلاثة الهجرية الأولى ، لذلك اتخذناه نموذجا للدراسة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت