الصفحة 115 من 595

عليه وسلم ليس إلا قصصا نقلها النبى عما خلَّفه السابقون وراءهم من قَصَص مسطور. يريدون أن يقولوا إن القرآن ليس وحيا إلهيا بل إنتاجًا بشريًّا، وإن محمدا ليس هو مؤلفه، إنما هو مجرد مردِّد له. ولهذا كان النضر بن الحارث يعمد إلى الأماكن التى يتردد عليها الرسول بغية دعوة المكيين إلى دينه، فإذا ما فرغ، عليه الصلاة والسلام، من تلاوة آيات الذكر الحكيم على جمهور الحاضرين شرع هذا الشيطان يقرأ عليهم من كتاب يتضمن قصص رستم وإسفنديار وملوك الفرس، زاعما أن قصصه أحسن من قصص محمد حسبما ورد في التفاسير وكتب أسباب النزول . فـ"الأساطير"هنا معناها الكلام المسطور، أى المكتوب. وفى"لسان العرب"و"تاج العروس"على سبيل المثال أن"الأساطير"جَمْع"سطر"أو جمع"أسطار"، الذى هو بدوره جمع لـ"سطر"، وإن كان هناك من يقول إنها جمع"أسطورة"، ومن يقول إنه جمع لا واحد له من لفظه. وقد ذكر بعض اللغويين أنها"الأباطيل"كما جاء فى"الصحاح"و"لسان العرب"أو"الأباطيل أو الأحاديث التى لا نظام لها"حسبما ورد فى"تاج العروس"، وإن لم يكن هذا شرطا في رأيى، فهو ليس من أصل المادة، بل مجرد إسقاط لموقف الكفار، الذين كانوا يتعنتون على النبى الكريم ويعملون جهد طاقتهم على تكذيبه صلى الله عليه وسلم، على كلمة"أساطير"، لأن المادة التى اشتُقَّت منها هذه الكلمة ليس فيها معنى البطلان، بل هى مادة"السطر والتسطير"أى الكتابة لا غير. وكان ابن عباس يتأولها بهذا التأويل على ما ورد في تفسير الطبرى للآية 25 من سورة"الأنعام"والآية 24 من سورة"النحل"مثلا. ولو كانت تعنى"البطلان"لقد كان النضر إذن يكذّب نفسه أيضا حينما كان يأتى بقصص رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة ويقرؤها على الجمهور ليصرفهم عن آيات القرآن التى كان يتلوها على مسامعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا غير متصوَّر بطبيعة الحال! جاء في تفسير القرطبى أثناء كلامه في الآية 25

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت