الصفحة 57 من 595

وبعد ، فهل يشجِّع الإسلام على القَسَم كما يوحى كلام هؤلاء المآبين فى"ضلالهم المبين"؟ كلا على الإطلاق ، ففى القرآن نقرأ قوله تعالى:"ولا تجعلوا الله عُرْضَةً لأيمانكم" ( البقرة / 225 ) ،"واحفظوا أيمانكم" ( المائدة / 89 ) ،"ولا تُطِعْ كلَّ حَلاّف مَهِين" ( القلم / 10 ) ، وفى الحديث مثلا أن الحَلِف إذا كان مَنْفَقَةً للسلعة ، فهو َممْحَقَةٌ للبركة . إذن فما قاله هؤلاء الفجرة التافهون المتنطعون لا يعدو أن يكون زوبعة في فنجان ! أما نَهْى الرسول عليه السلام الذى ذكره الأوغاد الفَجَرة في سورتهم المفتراة المزيَّفة عن الحَلِف بالآباء وأَمْره عليه السلام لمن يريد الحَلِف أن يحلف بالله بدلا من ذلك أو فلْيصمت ، فمعناه بكل وضوح لمن يريد أن يعرف الحقيقة لا مجرد الشَّغَب على سيد المرسلين هو محاربة العصبية القبلية التى كانت متفشية بين العرب أوانذاك وما يرتبط بها من التعظُّم بالآباء والأحساب والأنساب ، فأراد الرسول الكريم أن يبين لهم أن البشر جميعا هم خلق الله وعياله وأنه لا فضل لأحد على أحد بنسب أو حسب ، وأن توجُّه المؤمن ينبغى أن يكون لله وحده بوصفه عبدا له ينبغى أن يكون دائما على ذكْرٍ منه . وهذا هو المعنى الذى أراده الرسول عليه السلام ، وهو معنى إنسانى عظيم لمن لم يطمس الله على بصيرته ويريد أن يفهم . وبداية الحديث وختامه يدلان على أنه صلى الله عليه وسلم لا يحبِّذ الحَلِف ، وهذا واضح من استخدام جملة الشرط ، التى تعنى أنه إذا كان لا بد من الحَلِف فليكن باسم الله لا بأسماء الآباء التى من شأنها إحياء النوازع والنعرات الجاهلية لا أن الحلف في ذاته مرغوب! ولنفترض أن المسيح قد نسخ حكم التوراة في الأيمان ، فلم لا يكون من حق سيدنا رسول الله أن ينسخ بدوره ما قاله المسيح ؟ وأغلب الظن أن عيسى عليه السلام ، إن صحّ ما ترويه عنه الأناجيل في هذا الصدد ، قد لاحظ كثرة لجوء اليهود إلى الحَلِف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت