فهرس الكتاب
وعلى كل حال فإن المقارنة بينه وبين الرسول لا تصح إلا على مستوى الحياة الفردية الشخصية ، أما على مستوى الحُكْم فلا ، لأن عيسى عليه السلام ، كما سبق أن وضّحت ، لم يعش بعد النبوة أكثر من ثلاثة أعوام ، ولم يتولَّ أى منصب إدارى ، فضلا عن أن يكون حاكما يرأس دولة ويدبِّر شؤونها ويمارس الحرب والسياسة ويشرّع للناس ويقضى بينهم كرسولنا الكريم . ترى هل يمكن أن تقوم دولة دون محاكم وقضاة وسجون ؟ وبالمناسبة فقد أخطأ الأغبياء هنا غلطة سخيفة سخافة عقولهم ، إذ ظنوا أن قوله تعالى لرسوله الكريم:"فإن تنازعتم في شىء فرُدّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر" ( النساء / 59 ) يتناقض مع قوله جل شأنه:"أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون" ( الزمر/ 39 ) ، إذ يتساءلون: كيف يأمر الله رسوله في موضع بالحكم بين الناس ، ثم يقول في موضع آخر إن الله هو الذى يحكم بين العباد ؟ ومن هنا اتهموا الرسول بأنه قد نسخ بالآية الثانية ما سبق أن قاله في الآية الأولى ، وسخروا منه وتطاولوا عليه ( سورة المشركين/ 5 - 6 ) . وفات هؤلاء الأغبياء أن الحكم في آية"النساء"هو الحكم في خصومات الدنيا ، وهو من مهمة النبى عليه السلام ، بخلاف الحكم في آية"الزمر"، التى تتحدث عن الحساب الأخروى ، وهو من اختصاص الله لا يشاركه فيه أحد . فهذان موضوعان مختلفان تماما كما يرى القراء ، بيد أن البهائم لا يفهمون !