فهرس الكتاب
أما الأمة العربية فلا رخصة معها من هذه الرخص التي يصطنعها أعداؤها المتعصبون عليها، بل تختفي كلها ويحل محلها عداء الميراث التاريخي، وعداء الاستعمار، وعداء الجهل، وعداء الأنانية التي تغري الجماعات أحيانًا بالتحزب والأثرة، كما تغري الآحاد من الناس. فليس أيسر من تصديقهم لكل فرية تفتري عليها، وليس أسرع من إنكارهم لكل محمدة أو سابقة من سوابق الفضل تنسب إليها. هذه اللجاجة البغيضة هي التي نريد أن نقضي عليها ونقضي على آثارها في أذهان المتأثرين بها من صرعى المذاهب الأجنبية بيننا نحن الشرقيين، وهم- للأسف الشديد- غير قليلين. ولكننا لا نريد أن نقضي عليها ونضع في مكان الخطإ المنكر خطئًا آخر من قبيله . ولا نريد أن نمحو فضلًا لصاحب فضل، ولا أن نبخس حقًّا لصاحب حق، ولا أن نبطل احتكار المزايا الإنسانية على أناس لكي ننقل هذا الاحتكار إلى أناس آخرين. كل ما نريده أن ندفع شبهات القصور الأبدي المفترى على أمة عريقة حية، كان لها فضلها العميم على الإنسانية، ويرجى أن يكون لها فضل مثله أو يفوقه على أجيالها المقبلة، وهي في مقامها الأوسط بين القارات، وبين العقائد والثقافات. ولقد كان نصيب الأمة العربية من تلك الشبهات"نصيب الأسد"إن صح هذا التعبير، فأصابها منها أكبر نصيب تصاب به الأمم، منذ أيام الشعوبية إلى أيام الاستعمار والتبشير والآرية والشيوعية!. كان يقال عن العرب! إنهم بعثوا بالدين ولم يبعثوا بالدنيا. وكان يقال: إنهم لا يصلحون في دولتهم وغير دولتهم إلا محكومين. وقالوا: إن العرب لا يحسنون من أعمال المعاش غير ما تعودوه في البادية من رعي الإبل والماشية، ولولا ذلك لما غلبهم طراق بلادهم من الغرباء على أسباب المعيشة. وكل أولئك الدعاوى الكبار أضعف من أن يثبت على النظر المتأمل لحظات، فضلًا عن الثبات في مجرى التاريخ. فمن هم أصحاب الدولة الذين داموا في مستعمراتهم أطول من دوام العرب؟ أو تركوا بعدهم أثرًا