فهرس الكتاب
وضع الإمام أبو حنيفة مذهبه شورى بين أصحابه ، ولم يستبد فيه بنفسه دونهم اجتهادًا منه في الدين ، ومبالغة في النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين ، فكان يطرح مسألة لهم ، ثم يسأل ما عندهم ، ويقول ما عنده ، ويناظرهم في كل مسألة شهرًا أو اكثر ، ويأتي بالدلائل أنور من السراج الأزهر، ثم يُثبتها الامام أبو يوسف في الأصول بعد ما تلقاه الفحول بالقبول ، فإذا كان الأمر كذلك ، كان المذهب الذي وضعه بين الأئمة أولى و أصوب ، والى السداد والاستقامة والصحة أقرب ، والقلوب أليه أميل وأسكن وأطيب ، من مذهب من انفرد بوضع مذهبه لنفسه ورجع فيه إلى رأيه . [ ناقب الكردري - 57 ] . وقال أسد بن الفرات: كان أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا الكتب أربعين رجلا ، فكان في العشرة المتقدمين أبو يوسف ، وزفر بن الهذيل ، وداود الطائي ، وأسد بن عمرو ، ويوسف بن خالد السمتي ، ويحيى بن زكريا بن أبي زاهدة ، وهو الذي كان يكتبها لهم ثلاثين سنة . [ حسن التقاضي - 12 ] .
وقال أسد بن الفرات أيضا قال لي أسد بن عمرو: كانوا يختلفون عند أبي حنيفة في جواب المسألة ، فيأتي هذا بجواب ، و هذا بجواب ، ثم يرفعونها إليه ويسألونه عنها فيأتي الجواب من كثب ـ أي من قرب ـ .وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة (1) أيام ثم يكتبونها في الديوان . [ حسن التقاضي - 12 ] .
وقد أسند الصيمري الى إسحاق بن إبراهيم أنه قال: كان أصحاب أبي حنيفة يخوضون معه في المسألة ، فإذا لم يحضر عافية بن يزيد ، قال أبو حنيفة لا ترفعوا المسألة حتى يحضر عافيه ، فإذا حضر ووافقهم قال أبو حنيفة: أثبتوها ،وان لم يوافقهم ،قال أبو حنيفة: لا تثبتوها . [ حسن التقاضي - 12 ] .
(1) معناه أنهم كانوا يقيمون في عامة المسائل ثلاثة أيام ، ويقيمون في بعضها شهرا أو اكثر لغموض و دقة ما فيها .