والحديث السابق يكاد يكون مستوحى من سورة الكهف، التي موضوعها الأساس حفظ الفتية المؤمنين في الكهف من القوم الكافرين وحتى من الوحوش والحشرات والشمس والتربة، وكذا حفظ الدين بحفظ كتابه الذي لم يجعل الله له عوجا ولا مبدل لكلماته، فضلًا عن أن جو الحفظ يتعلق بسائر قصص السورة من حفظ السفينة والوالدين المؤمنين، والغلامين اليتيمين، ثم حفظ القوم الذين لا يكادون يفقهون قولًا، من يأجوج ومأجوج، بالردم الذي أقامه ذو القرنين، فالحديث فيه حفظ المؤمن الحافظ لأمر الله، وفيه حفظ كلمات الله التي لا مبدل لها، كما يؤكده قوله عليه السلام في البداية: ( إني أعلمك كلمات) ، وفي الختام: ( رفعت الأقلام وجفت الصحف) ، وفي السورة التأكيد على أنه لا مبدل لكلمات الله.
وبالمثل فإن أقوال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، تؤكد أنهم كانوا يراعون النظم القرآني، وترتيب كلمه وآياته، ويأتي أسد سبحاني بشاهدين على قوله هذا (1) ، أولهما تصميم أبي بكر رضي الله عنه على قتال مانعي الزكاة، واحتجاجه بالقول:"والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة (2) "، أي ما يكون لنا أن نفرق بين الصلاة والزكاة، ما دام أن الله تعالى قد قرن بينهما في كتابه، ما يعني أن مرتبة الزكاة تالية لمرتبة الصلاة، ما دامت قد جاءت بعدها في نظم القرآن الكريم.
(1) …سبحاني، إنعام النظر، من ( ص 212- 215 ) ، بتلخيص واختصار.
(2) …ابن كثير، البداية والنهاية، (6/311) ، مكتبة المعارف، بيروت، ط1، 1966م.