الصفحة 101 من 748

قال ابن القيم:"إن الدعاء الذي يتقدمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد، فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه؛ كان أبلغ في الإجابة وأفضل، فإنه يكون قد توسل إلى المدعو بصفات كماله وإحسانه وفضله، وعرَّض بل صرح بشدة حاجته، وضرورته وفقره ومسكنته، فهذا المقتضى منه، وأوصاف المسؤول مقتضى من الله، فاجتمع المقتضى من السائل، والمقتضى من المسؤول في الدعاء، وكان أبلغ وألطف موقعًا، وأتم معرفة وعبودية، وأنت ترى في الشاهد -ولله المثل الأعلى- أن الرجل إذا توسل إلى من يريد معروفه بكرمه وجوده وبره، وذكر حاجته هو، وفقره ومسكنته، كان أعطف لقلب المسؤول، وأقرب لقضاء حاجته، فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الركبان، وفضلك كالشمس لا تنكر -ونحو ذلك- وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغًا لا صبر معه.. ونحو ذلك كان أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداء: أعطني كذا وكذا" ( ) .

وهكذا كانت عامة أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، فهي في الغالب تجمع هذه الأنواع كلها، فلهذا ينبغي للعاقل أن لا يعدل عنها إلى غيرها، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم، فلا يمكن لغيره أن يأتي بمثل أدعيته صلى الله عليه وسلم.

مثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما قال له: {علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم} ( ) فقد جمع صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء هذه الصيغ كلها من وصف حال السائل بالظلم، ووصف الله بالتفرد بالمغفرة، ثم الطلب للمغفرة والرحمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت