وقد جمع الله بين هذين الأصلين -العبادة، والاستعانة- اللذين أحدهما غاية العبد التي خلق من أجلها، والآخر وسيلة إليها في مواضع ( ) من كتابه، منها (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ) [الفاتحة:5] وقوله تعالى حكاية عن العبد الصالح شعيب عليه السلام قوله: (( وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) ) [هود:88] ، وقول إبراهيم والذين معه: (( رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) ) [الممتحنة:4] ، وقوله سبحانه إذ أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: (( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ) ) [الرعد:30] (( قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ) ) [الرعد:30] ، كما أمره بهما في قوله: (( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) ) [هود:123] ، وفي قوله: (( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ) ) [الفرقان:58] ، وفي قوله: (( رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) ) [المزمل:9] .
ومع كون هذين الأصلين يوجدان في البشر إلا أن الأصل الذي هو الاستعانة هو الأكثر فيهم؛ لأن علم النفوس البشرية بحاجتها وفقرها إلى الرب قبل علمها بحاجتها وفقرها إلى الإله المعبود، كما أن قصدها لدفع حاجاتها العاجلة قبل الآجلة، ولهذا كان إقرارهم بالربوبية أسبق من الألوهية، كما هو معروف من دعوة الرسل، ومن الإخلاص في وقت الشدائد ( ) .
وهذان الأصلان كلاهما ملازمان للإنسان؛ وذلك لأن الإنسان حساس متحرك بالإرادة، فهو همام، حارث، بل كل حي له إحساس وعمل بإرادة، ولا بد في العمل الإرادي الاختياري من مراد وهو المطلوب، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ووسائل تحصله.
فلهذا فلا بد لكل إنسان من إرادة، ولا بد لكل مريد من مستعان به مدعو ومسؤول يستعان به على تحصيل المراد المطلوب.