الصفحة 106 من 748

من لا يعبد الله تعالى، ولكنه يستعين به على أهوائه، وحظوظ نفسه وشهواته، وأغراضه، ويطلبها منه، وينزلها به، فتقضى له، ويسعف بها، سواء كانت أموالًا أو رياسة أو جاهًا عند الخلق أو أحوالًا من كشف وقوة وتمكين، ولكن لا عاقبة له ( ) .

وهؤلاء يشهدون ربوبية الله للخلق وافتقارهم إليه، ويستعينون به غير ناظرين إلى الأمر والنهي، ومرضاة الله ومحبته وغضبه، وهذا حال كثير من المتفقرة والمتصوفة.

وليس الكلام في الكفار والظلمة المعرضين عن الله، فإن هؤلاء دخلوا في القسم الثاني الذين لا عبادة لهم ولا استعانة، ولكن الكلام في قوم عندهم توجه إلى الله وتأله، ونوع من الخشية والذكر والزهد، ولكن يغلب عليهم التوجه بإرادة أحدهم وذوقه ووجده، لا بالأمر الشرعي، وهم أصناف: منهم المعرض عن التزام العبادات مع ما يحصل له من الشياطين من كشف له أو تأثير، وهؤلاء كثيرًا ما يسلبون أحوالهم، وقد يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق، بل كثير منهم يرتد عن الإسلام؛ لأن العاقبة للتقوى، وهم لا تقوى لهم ( ) .

ومنهم من يقوم بالعبادات الشرعية الظاهرة كالصلاة والصيام والحج، وترك المحرمات، لكن في أعمال القلوب لا يلتزم الأمر الشرعي، بل يسعى ما يحبه ويريده، والله تعالى قال: (( كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ) ) [الإسراء:20] .

وأبغض خلقه عدوه إبليس، ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عونًا له على مرضاته، كانت زيادة له في شقوته وبعده عن الله، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونًا على طاعته، كان مبعدًا له عن مرضاته، قاطعًا له عنه، وذلك أن الله سبحانه يعطي السلطان والمال للبر والفاجر، فقد يعطي أحد هؤلاء تصرفًا إما بقهر عدوه، وإما بنصر وليه كما تعطي الملوك، وقد يعطي نوعًا من المكاشفة إما بإخبار الجن له، وقد يعرف أنه من الجن وقد لا يعرف، وإما بغير ذلك ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت