وذكر الله أيضًا أن الاستغفار يمنع من نزول العذاب، قال تعالى: (( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ) [الأنفال:33] ، فدلت هذه الآيات على أن الاستغفار والتوبة من جملة الأسباب المشروعة، وتقدم أن الاستغفار نوع من أنواع الدعاء فثبت أن كليهما من الأسباب، وقد كان لهما الأثر العظيم في هذه الأمور المذكورة في الآيات السابقة فلولاهما لما حصلت هذه الأشياء، فدل على أنهما سببان في ذلك وأن وجودهما ليس كعدمهما.
والحاصل: أن القرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل في ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال ترتب الجزاء على الشرط والمعلول على العلة، والمسبب على السبب، وهذا بمختلف الصيغ والأساليب المتنوعة الكثيرة في مواضع كثيرة، وهذه المواضع تزيد في القرآن الكريم على ألف موضع كما قاله ( ) ابن القيم رحمه الله، بل ذكر ابن القيم في موضع آخر أن ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لو تتبع لزاد على عشرة آلاف موضع، وأن ذلك حقيقة وليس مبالغة ( ) .
وأما السنة الدالة على تأثير الدعاء فأكثر من أن تحصر فقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أمران: الأول: فعله للدعاء، والثاني: حثه صلى الله عليه وسلم وترغيبه في الدعاء، وقد ذكر تواتر الأمرين عنه صلى الله عليه وسلم الكتاني ( ) في رسالته في الأحاديث المتواترة ( ) .
فلهذا نكتفي بإيراد بعض الأحاديث الدالة على المراد، من ذلك:
1-قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس رضي الله عنه: لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، هذا لفظ مسلم، وفي البخاري: {لكل نبي سأل سؤالًا - أو قال: لكل نبي دعوة قد دعا بها- فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة} ( ) .