الصفحة 317 من 748

ثم هؤلاء الذين تركوا الاعتناء بالكتاب والسنة اعتاضوا عن ذلك بالاعتناء بالفلسفة والمنطق والتعمق في المسائل الغريبة نادرة الوقوع من المسائل الفقهية، مع الجمود والتعصب، وترك السنة الصحيحة لمراعاة المذهب.

كما أنهم أفنوا أعمارهم في دراسة غوامض اللغة وغرائبها وشواذها.

فهذه العلوم لا تشفي عليلًا ولا تهدي السبيل المستقيم، والدارس المعتني بها بعيد عن واقع الأمة وآلامها وعلاج عقيدة المجتمع ومشاكله.

فحصل من هذا كله انتشار الجهل بالكتاب والسنة.

وهذا الانتشار للجهل ورفع العلم مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: {يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن} ( ) . وهذا هو مصداق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، فقد انتشر الجهل بحقيقة التوحيد وما يضاده أو ينافي كماله وتسبب هذا في انتشار الشرك والبدع فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا.

قال ابن القيم رحمه الله: قد غلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل، وخفاء العلم فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب السفهاء، ولكن مع هذا لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ( ) .

وذكر ابن القيم أيضًا أن الجهل هو السبب الرئيسي في المنع من قبول الحق فالجهل هو السبب الغالب على أكثر النفوس فإن من جهل شيئًا عاداه وعادى أهله ( ) .

ومما ينبغي أن يعلم أن هذا الجهل المنتشر حصل للناس لسببين: أحدهما: هذا الذي تقدم من عدم الاعتناء بدراسة القرآن الكريم وتدبره وفهمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت