وإنما يباح من السؤال سؤال من له عند غيره حق من عين أو دين كالأمانات والغنيمة وغيره من الأموال المشتركة وسؤال النفقة لمن تجب عليه والغريم لمن عليه دينه ونحو ذلك ( ) .
وأما غير ذلك فلا يستحب السؤال بل هو مكروه إما تحريمًا أو تنزيهًا؛ لأن (سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي من نوع الشرك، ومفسدة إيذاء المسؤول وهي من نوع ظلم الخلق، وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة) ( ) .
وأما الحكم في الصورة الثانية وهي أن يسأل الحاضر ما لا يقدر عليه فهو الشرك المبين؛ لأن الدعاء عبادة، وقد صرفها الداعي لهذا المدعو العاجز.
ووجه كون هذا الدعاء عبادة هو أن الداعي اعتقد فيه التأثير بقوة غيبية حيث طلب منه ما هو فوق طاقة البشر؛ ولأجل هذا طلب منه جلب نفع أو دفع ضر، فاعتقد فيه خاصية من خصائص الربوبية من التأثير الغيبي، ثم صرف له خاصية من خصائص الألوهية ألا وهو توجه القلب والقالب إلى دعائه وندائه والاستغاثة به، ورجائه لقضاء حوائجه، وخوفه من عدم الاستجابة له، إلى غير ذلك من أنواع العبادات التي يتضمنها الدعاء.
المرتبة الرابعة ( ) :
أن يسأل الميت أن يدعو الله له.
وهذه لها صورتان:
إحداهما: أن يسأل ميتًا عند قبرهِ وباب قبته ومشهده أن يدعو الله له.
كالذي يفعله زوار القباب والأضرحة والمشاهد، يقول أحدهم: يا أيها الولي الفلاني ادع الله لي أن يفعل بي كذا وكذا.
وقد يظن أحدهم أن هذا مثل أن يسأل أحدهم في حياته فلا فرق عنده بين الحياة والموت.
فهذه الصورة حكمها أنها من البدع المنكرة الشنيعة، وأنها من وسائل الشرك، وأنها الباب الموصل إلى دعاء الميت نفسه فيما بعد.
وقد اتفق المسلمون على أنها بدعة ( ) .