وهذا مطلوب يؤثره العاقل، حتى الحيوان البهيم، ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطًا قبيحًا، فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه أعظم الألم، فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها، ويشفي قلبه بما يعقب عليه غاية المرض.
وهذا شأن من قصر نظره على العاجل ولم يلاحظ العواقب.
وخاصَّةُ العقل النظر في العواقب: فأعقل الناس من آثر لذته وراحته الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة، وأَسْفَهُ الخلق من باع نعيم الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص فيها، ولا نقص بوجه ما بلذة منقضية مشوبة بالآلام والمخاوف، وهي سريعة الزوال وشيكة الانقضاء.
قال بعض العلماء: فكرت في سعي العقلاء، فرأيت سعيهم كله في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعًا إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم؛ فهذا في الأكل والشرب، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب، فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده، ولم أر في جميع هذه الطرق كلها طريقا موصلةً إليه إلا الإقبال على الله، ومعاملته وحده وإيثار مرضاته على كل شيء، فإن سالك هذا الطريق:
إن فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه.
وإن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء، وإن ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنأ الوجوه، فليس للعبد أنفع من هذا الطريق، ولا أوصل منها إلى لذاته وبهجته وسعادته، وبالله التوفيق.
فصل
[عشق الصور وأضراره]
[هذا] الفصل متعلق بعشق الصور، وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة، وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر فإنه يفسد القلب بالذات، وإذا فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد ثغر التوحيد.
والله سبحانه وتعالى إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس، وهم: اللوطية، والنساء.
[الطائفة الأولى: النساء]