فهرس الكتاب
وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب ونزع واستغفر؛ صقل قلبه، وإن زاد زادت، حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين:14] " [1]
قال الترمذي هذا حديث [حسن] صحيح.
وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن محمد بن سيرين: أنه لما ركبه الدين اغتم لذلك، فقال: إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة [2] .
وهاهنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب، وهي أنهم لا يرون تأثيره في الحال وقد يتأخر تأثيره فينسي، ويظن العبد أنه لا يُغَبِّر بعد ذلك؟!! وأن الأمر كما قال القائل:
إذا لم يُغبِّر حائطٌ في وقوعِه ... فليسَ له بعدَ الوقوعِ غبارُ
وسبحان الله!! كم أهلكتْ هذه النكتة من الخلق؟! وكم أزالت من نعمة؟! وكم جلبت من نقمة؟! وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء؛ فضلًا عن الجهال! ولم يعلم المغتر أن الذنب يَنْقَضُّ ـ ولو بعد حين ـ كما ينقض السهم وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل.
وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء: اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعُدُّوا أنفسكم في الموتى، واعلموا أن قليلًا يُغنيكم خيرٌ من كثير يُطغيكم، واعلموا أن البر لا يبلى وأن الإثم لا يُنسى [3] .
ونظر بعض العباد إلى صبي، فتأمل محاسنه، فأُتِيَ في منامه، وقيل له: لتجدنّ غِبَّها بعد أربعين سنة [4] .
هذا مع أن للذنب نقدًا معجلًا لا يتأخر عنه:
(1) أخرجه: الترمذي (3334) وابن ماجه (4244) وأحمد (2/ 297) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(2) انظر: الحلية (2/ 271) .
(3) الزهد ص 168.
(4) هو ابن الجلاء. وانظر الخبر في: صفوة الصفوة (2/ 443 - 444) . قوله: (غبّها) أي عاقبتها.