فهرس الكتاب
ومنها: أن المعاصي توهن القلب والبدن:
أما وهنها للقلب فأمر ظاهر، بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية.
وأما وهنها للبدن فإن المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوى قلبه قوى بدنه.
وأما الفاجر؛ فإنه وإن كان قوي البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته عند أحوج ما يكون إلى نفسه.
وتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم عند أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم؟
ومنها: حرمان الطاعة؛ فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أنه يصد عن طاعة تكون بادية، ويقطع طريق طاعة أخرى، فينقطع عليه طريق ثالثة ثم رابعة وهلم جرا، فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة، كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها. وهذا كرجل أكل أكلةً أوجبت له مرضةً طويلة منعته من عدة أكلات أطيب منها والله المستعان.
ومنها: أن المعاصي تزرع أمثالها، ويُولد بعضها بعضًا، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها؛ كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضا، فإذا عملها قالت الثالثة كذلك وهلم جرا، فتضاعف الربح، وتزايدت الحسنات وكذلك كانت السيئات أيضًا حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئاتٍ راسخةً، وصفاتٍ لازمةً وملكاتٍ ثابتةً.
ومنها: ـ وهو من أخوفها على العبد ـ أنها تُضعف القلب عن إرادته؛ فتقوى إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا، إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية؛ فلو مات نصفه لما تاب إلى الله، فيأتي بالاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، مُصِرٌ عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنه.
وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك.
ومنها: أنه ينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه!