فهرس الكتاب
ومن أعظم أسرار السيرة النبوية أن لها أبلغَ الأثر في تقويم السلوك، وتربية العواطف الشريفة؛ فإنها المرآة التي تنعكس منها تلك الصورة التي تعد _بحقٍّ_ أرقى صورة للحياة البشرية؛ حيث كان النبي محمد _عليه الصلاة والسلام_ يرسم بأقواله، وأعماله، وسائر تصرفاته _ القدوة العليا التي يجب أن تهدف إليها جهود البشر في سيرهم نحو الكمال المنشود.
إن ثلاثة وعشرين عامًا هي جملة السنين التي عاشها محمد"نبيًا رسولًا قد لا تكون في مقياس الزمن شيئًا مذكورًا إذا قيست إلى ما قضته البشرية من حقب متطاولة، وأجيال متعاقبة."
ولكنها في مجال التربية، والإصلاح، ورسم قواعد السلوك البشري الفاضل، ووضع المعالم، والحدود لحياة الإنسان كما يحب رب الإنسان، وبما يحقق الغاية من وجوده، ويكفل لها الحياة السعيدة الكريمة _ لأرجح في الميزان من كل ما غَبَر من حقب وأجيال؛ ذلك أن بركات هذا النبي لا تكاد تحصر ولا تحصى [1] .
وإن منها لبركة الوقت التي نال أمته منها أوفر الحظ والنصيب؛ فنالت من الأعمال، والعلوم، والأخلاق، والحكمة _في وقت قصير_ ما لم تنله أمة من الأمم.
ومن أعظم ما امتازت به سيرة النبي"أنها معلومة للناس بجميع أطوارها، متجلية لهم دخائلها من كل مناحيها."
ولا ريب أن ذلك من أعظم أسرار عظمتها وخلودها؛ إذ لا يصح أن تكون سيرة أحد من الناس قدوة لغيره إلا أن تكون واضحة معلومة منزهة عن العيوب والمثالب.
ولقد ضبط العلماء سيرته _عليه الصلاة والسلام_ وأتوا على دقائق قد لا تخطر بالبال.
ولو استعرض القارئ فهرس أحد الكتب التي اعتنت بسيرته وشمائله لوجد ذلك واضحًا جليًا [2] .
(1) _ انظر مقدمة الدكتور محمد خليل هراس على الخصائص الكبرى للسيوطي 1/3_4.
(2) _ انظر الرسالة المحمدية للسيد سليمان الندوي ص102_104.