فهرس الكتاب
وقال: =التائب قد بدل كل سيئة بندمه عليها حسنة؛ إذ هو توبة تلك السيئة، والندم توبة، والتوبة من كل ذنب حسنة؛ فصار كل ذنب عمله زائلًا بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة؛ فصار له مكان كل سيئة حسنة بهذا الاعتبار؛ فتأمّلْه؛ فإنه من ألطف الوجوه.
وبناءً على هذا فقد تكون هذه الحسنة مساوية في القدر لتلك السيئة، وهذا من أسرار التوبة ولطائفها+.
هذا هو محصل أقوال العلماء في صفة التبديل.
ولكن يبقى تساؤل يثار عن سبب تبديل السيئات حسنات، فيقال: هل يكون من كثرت سيئاته وعظمت أفضل ممن قلَّت سيئاته وخفَّت إذا هما تابا، وكيف يكون ذلك؟ وهل لكثرة السيئات مزية بعد التوبة النصوح؟
كان هذا التساؤل يرد علي كثيرًا ولم أطَّلع _على قلة اطلاعي_ على شيء من كلام العلماء في ذلك، فخطر في بالي سببٌ لَعلَّه يجيب عن هذا التساؤل؛ فيقال: إن من أسباب مضاعفة الأعمال تركَ الإنسانِ ما تشتهيه نفسه من الشهوات المحرمة إذا هو تركها خالصًا من قلبه.
ولا ريب أن كثرة المعاصي تضعف القلب، وتحول دون التوبة الصالحة الخالصة النصوح؛ لأن الذي يقع في الذنوب الكثيرة الكبيرة يقوى تعلقه بها، ويصعب عليه الخلاص منها؛ فإذا أراد التوبة والإقلاع عنها _ كان محتاجًا إلى قوة إخلاص، وصدقِ عزيمة، وشدة قهر للنفس ومنازعة لها.
فإذا اقتحم تلك العقبة؛ فقدع نفسه، وقهرها، وتجرع مرارة الصبر، وغصص الحرمان _ كان جديرًا بتلك الكرامة، ألا وهي تبديل السيئات حسنات.
أما من كانت سيئاته قليلة صغيرة فربما لا يحتاج إلى كبير عناء ومجاهدة؛ فيكون أجره على قدر مجاهدته، وقد يكون له أعمال صالحة تفوق أعمال غيره ممن له سيئات كبيرة كثيرة ثم تاب عنها توبة نصوحًا، فهذا مُلَخَّصُ ما خطر لي في هذا السياق.