تقديم بقلم فضيلة الشيخ الدكتور
محمد أبو الفتح البيانوني
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛ فإن في تراجم العلماء العاملين، والدعاة الربانين عظة وقدوة، أما العِظَةُ: فلما تحمله هذه التراجم بين طياتها من التأكيد على أن الله عز وجل حافظ دينه، ومقيضٌ له في كل عصر ومصر من يرفع لواءه، ويعمل على إحيائه في النفوس، مجددًا في واقع المفاهيم المنشرة عنه، ومجاهدًا في سبيل نشر هديه ونصرته ..
وأما القدوة: فلأن في نشر سيرة هؤلاء الدعاة والعلماء تجسيدا عمليا لتلك المفاهيم الربانية، وعَرْضًا حَرَكيًا لخصائصها ومزاياها .. وما أحوج الأمة إلى التعرف على تلك النماذج النيرة، والسير الناطقة بصلاحية هذا الإسلام العظيم لكل زمان ومكان ..
ومن هنا: كان (مثل العلماء في الأرض كمثل نجوم السماء، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست هذه النجوم، يوشك أن تَضِلَّ الهداة) [1] .
ولا يعني هذا أن تنسب لهؤلاء العلماء عصمة، أو تُدَّعى لهم منزلة لم يدَّعوها، فالقدوة المطلقة محصورة في رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، لا ينازعه فيها أحد.
وحَسْب هؤلاء العلماء الأجلاء أنهم من ورثة الأنبياء [2] ، وأن وقائعهم وتجاربهم تُعَدُّ مصدرًا تبعيا من مصادر الدعوة في ضوء المصادر الشرعية الأصلية [3] .
وكم كانت سعادتي كبيرة بمبادرة أخينا الفاضل والداعية العامل الشيخ الدكتور عبد المجيد البيانوني ابن عمي وصهري زوج أختي، بإخراج هذه اللمحات النيرّات عن حياة شيخنا ووالدنا الشيخ أحمد عز الدين البيانوني ـ رحمه الله تعالى ـ الذي كان وارثًا نبويًا، ونجمًا دعويًا من نجوم هذه الدعوة الإسلامية، في هذا العصر، الذي تجاوزت آثاره الدعوية حدود بلاد الشام.
وعُرِفَت رسائله وكتبه في كثير من بلاد العالم، وانتشرت في كثير من دول آسية وإفريقية، وأوروبا وأميركا .. ولاقت قبولًا لا حدود له .. فكان مدرسة دعوية متميزة في منهجها وأسلوبها ..
أسأل الله عز وجل أن يجعل من عمل أخينا الشيخ عبد المجيد تعويضا كبيرًا عن تقصيرنا في نشر سيرته العطرة، وتداركًا مشكورا لمثل هذه المصالح المتوخاة من وراء نشر مثل هذه السير.
فهو المحبّ المحبوب، والعزيز المقرب إلى الشيخ رحمه الله، والقريب المخالط الذي عرف عن الشيخ كثيرًا مما قد لا يعرفه غيره، وأفاد من علمه وعمله مالم يفده كثير من المخالطين له.
(1) ـ الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 2/ 70/.
(2) ـ كما جاء في حديث رواه الإمام أحمد وغيره، وقال عنه العجلوني: (وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وحسنه حمزة الكتاني، وضفعه غيرهم لاضطراب سنده، لكن له شواهد .. ) انظر " كشف الخفاء " 2/ 83/.
(3) ـ ينظر كتابي (المدخل إلى علم الدعوة) ص /148 - 151/.