فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 246

2_ طهارة القلب، والخلاص من الخصال القبيحة: ذلك أن الصحة قد تدعو إلى الأشر، والبطر، والإعجاب بالنفس، لما يتمتع به المرء من نشاط، وقوة، وهدوء بال، ونعيم عيش.

فإذا قُيِّد بالبلاء والمرض انكسرت نفسه، ورق قلبه، وتطهر من أدران الأخلاق الذميمة، والخصال القبيحة من كبر، وخيلاء، وعجب، وحسد، ونحوها، وحلَّ محلَّها الخضوعُ لله، والانكسار بين يديه، والتواضع لخلق الله، وترك الترفع عليهم.

قال المنبجي (1) ×: =وليعلم أهل المصائب أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر، والعجب، والفرعنة، وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا؛ فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب؛ تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظًا لصحة عبوديته، واستفراغًا للمواد الفاسدة، الرديئة، المهلكة؛ فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه، كما قيل:

قد ينعم الله بالبلوى، وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

فلولا أنه _ سبحانه وتعالى _ يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا، وبغوا، وعتوا، وتجبروا في الأرض، وعاثوا فيها بالفساد؛ فإن من شيم النفوس إذا حصل لها أمر، ونهي، وصحة، وفراغ، وكلمة نافذة من غير زاجر شرعي يزجرها _ تمردت، وسعت في الأرض فسادًا، مع علمهم بما فعل بمن قبلهم، فكيف لو حصل لهم مع ذلك إهمال؟

(1) هو محمد بن محمد بن محمد بن محمود الصالحي المنبجي، كان من فضلاء الحنابلة، سمع الحديث، وحفظ المقنع، وأفتى، ودرَّس، وكان يكتسب من حانوت له، على طريق السلف من الدين والتقشف والتعبد، وهو صاحب الجزء المشهور في الطاعون وأحكامه، ذكر فيه فوائد كثيرة وغريبة، توفي سن 774هـ.

انظر شذرات الذهب لابن العماد 6/289، والسحب الوابلة للشيخ محمد بن عبدالله بن حميد النجدي 3/1081.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت