فهرس الكتاب
فإذا قيل له _ مثلًا _ لِمَ لا تصلي؟ قال: ما أراد الله لي ذلك! وإذا قيل له: متى ستتوب؟ قال: إذا أراد الله لي ذلك!
وهذا خطأ وضلال وانحراف؛ لأنه إن كان يقصد بالإرادة هنا الإرادة الشرعية التي هي بمعنى المحبة فقد أعظم الفرية على الله؛ لأن الله _ عز وجل _ أحبَّ الطاعة، ورضيها، وأمر بها، وشرعها.
وإن كان يقصد بها الإرادة الكونية التي هي بمعنى المشيئة، وأن الله لم يُقَدِّر له كذا وكذا من الطاعات، أو قدَّر له كذا وكذا من المعاصي فهذا خطأ _ أيضًا _ ذلك أن قدر الله سر مكتوم، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه، وإرادة العبد سابقة لفعله؛ فتكون إرادته غير مبنية على علم بقدر الله؛ فادعاؤه مردود، واحتجاجه باطل؛ لأنه ادعاء لعلم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله؛ فحجَّته _إذًا_ داحضة؛ لأنه لا حجة للمرء فيما لا يعلم.
هذا وقد سبق تفنيد الاحتجاج بالقدر على المعائب مفصلًا فيما سبق.
المطلب الثاني: التخلي عن مساعدة المحتاجين والمنكوبين؛ بحجة أن ما حل بهم إنما هو بمشيئة الله: فمن الناس من يرى إخوانه المسلمين تنزل بهم النوازل، وتحل بهم القوارع، فلا يتحرك لنصرتهم، ولا ينبعث لمساعدتهم، ولا يحث غيره على ذلك؛ بحجة أن ذلك إنما وقع بمشيئة الله، وأنه لا يسوغ لنا أن نساعدهم، والله _ عز وجل _ يعاقبهم!
وكذلك ما يوجد عند بعض الناس إذا قيل لهم: أحسنوا إلى الفقراء والمحتاجين _ قال قائلهم: كيف نحسن إليهم، والله قد شاء لهم ذلك؟ الله يفقرهم وأنت تغنيهم؟ أو يقول: إن الله لو شاء إغناءهم لأغناهم بدون مساعدتنا ورفدنا!.
فهذا الكلام وأمثاله باطل بلا ريب، وهو يدل على جهل عظيم، أو تجاهل وخيم؛ ذلك أن المشيئة ليست حجة لفعل المعاصي أو ترك الطاعات أبدًا.
ثم إن هذا جهل بحكمة الله _ تبارك وتعالى _ حيث رفع بعض الناس على بعضه، وابتلى بعضهم ببعض، ودفع بعضهم ببعض.