فهرس الكتاب
لا وفي رحمة الإنسان للحيوان، في كل ذلك أجر عظيم. وفي زوال التراحم بشير بغضب الله تعالى فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن إمرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض (37) .ـ
إن الرحمة تتجلى في كل شيء: في ملاطفة الوالد لولده، وفي إحسانه لأهل بيته، وفي معاملته مع الناس، وفي معاملته لعدوه قبل صديقه، وفي معاملته للبهائم، وفي تعامله حتى مع الجماد، فالله تعالى أمر بعدم الإسراف في كل شيء، وأمر بالمشي على الأرض هونا وما هذا وذاك إلاّ دليل على سعة رحمته التي وسعت كلّ شيء (38) . حتى أن قتل الكافر أثناء المعركة تتجلى فيه الرحمة فهي تخليص له من اكتساب المزيد من الآثام وتخليص لغيره من شره، وطريقة القتل يجب أن تظهر فيها الرحمة، فالقتل بالحرق محرم وتعذيب ابن آدم حرام أيّا كان، " فَبِما رَحمَة مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُم ولو كُنتَ فَظّا غليظَ القَلبِ لانفَضّوا مِن حولِك، فاعفُ عَنهُم واستَغفِر لَهُم " (39) ، وبتراحم المؤمنين فيما بينهم تتوثق الوشائج بينهم، فيحب بعضهم بعضا وتجتمع كلمتهم.
إن المؤمن رحيم لغيره من الناس وحتى للحيوانات أيضا. ففي تلك الرحمة أجر كبير. وقد قص علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قصة رجل يمشي بطريق فاشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفِّه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا يارسول الله وإن لنا في البهائم أجرا، فقال:"نعم، في كل ذات كبِد رطبة أجر" (40) ، وحين رأى عمر بن الخطاب عجوزا يهوديا يسأل الناس، رحم له كبر سنه قائلا: ما أنصفناك، أخذنا الجزية منك في شبابك وتركناك في كبرك، ثم فرض له ما يكفيه من بيت المال.
ـ 75 ـ ترك الجدل
عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
" ما ضَّلّ قوم بَعدَ هُدًى كانوا عَليهِ إلاّ أوتوا الجَدالَ "
(رواه الترمذي وأحمد وإبن ماجه والحاكم)
قال الله تعالى: " وَمِنَ النّاسِ مَن يُعجِبُكَ قولُهُ في الحياةِ الدُنيا ويُشهِدُ اللّهَ عَلى ما في قَلبِهِ وهُوَ ألَدّ الخِصامِ " (41) ، فالجدال يتضمن عادة حب ظهور المجادل على خصمه، وتشفِّيه بخذلانه أو حسده إن حدث العكس، وبغضه أو عدم قبول الحق الذي قاله عنادا وتكبرا. وقد يلجأ المخاصم إلى الكذب أوإخفاء الحق والسب والشتم وتعيير الخصم أو غيبته وكرهه بغير حق. وهكذا فالجدل مثير لكل هذه الآفات النفسية التي لا تليق بالمؤمن. وهناك بعض الناس من جُبِل على حب الجدل، وهذه غريزة مذمومة وعليه مقاومة دوافعها ومعالجتها بكبح جماح النفس ومنعها من الإستمرار بالجدل حتى ولو كان على يقين بأنه على الحق وخصمه على الباطل فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا زعيمٌ ببيت في رَبَض الجَنَّة لِمَن تَرَكَ المِراءَ وإن كانَ مُحِقّا، وببيت في وسَطِ الجَنّةِ لِمَن تَرَكَ الكَذِبَ وإن كانَ مازِحا " (42) . والملاحظ أن دوافع الجدال والأخذ والرد تزداد إذا حضر الجدال أو سمعه شخص أو أشخاص آخرون لأنه عند ذلك يكون العجب بالنفس وحب الظهور على أشده. وهكذا يتصيد الشيطان فرائسه في ساعات الغفلة فيغويهم ويقودهم إلى الإختلاف والشقاق بعد أن كانوا على هدى وإجتماع. " ولا تَكونوا كالّذينَ تَفَرَّقوا واختَلَفوا مِن بَعدِ ما جاءَهُم البيِّنات وأولئِكَ لَهُم عَذاب عَظيم " (43) .ـ
أما المناقشة الهادئة في سبيل نشر الحق والوصول إليه فقد قال الله تعالى فيها: " وجادِلهُم بالّتي هيَ أحسَن " (44) ، وعند ذلك تكون تلك المجادلة مطلوبة لأنها وسيلة من وسائل الدعوة شرط خلوها عن نوازع النفس الشريرة وإخلاص النية فيها لله تعالى.