الصفحة 89 من 100

في الوقت الذي أوصى الله تعالى الرجل بالإحسان إلى من يرعاهم من زوجة وأولاد وأم وأب خاصة إن كانا عاجزين، فإن الوصية للمرأة بالطاعة تكون مكملة لتجانس الأسرة واكتمال تماسكها وتآلفها. فقد أعطى الله الرجل القوامة، " الرجالُ قوّامونَ على النساء " (38) ، لكنه لم يعطه الحق في الإعتداء والظلم والتعسف. إن طاعة المرأة لزوجها أحد أركان تأسيس أسرة قوية متماسكة. ويأتي هذا الأمر ضمن أوامر مشابهة للولد بإطاعة أبيه، وللرعية بإطاعة أميرها، وفي الوقت نفسه أمر الراعي بالإحسان إلى رعيته، وحرم الظلم والغش. وقد سبق في الحديثين 51 و 52 ذكر ذلك.

إن رعاية المرأة لزوجها وأولادها قد أسقط عنها فرائض كثيرة كالجهاد أو حضور الجمعة والجماعات. فالمرأة الصالحة تحفظ زوجها في بيتها ونفسها وولدها، وإذا نظر إليها زوجها سرته وإذا أمرها أطاعته ولا تخرج من بيتها ولا تصوم تطوعا إلا بإذنه وهي قد نذرت نفسها لصلاح بيتها وعند ذلك تنال فضل المجاهدين في سبيل الله وهي ماكثة في بيته، أما إذا كانت المرأة ذات زوج فاسق، فعليها مصاحبته بالمعروف وأداء حقوق الله أولا ثم حقوقه ثانيا، وعدم مشاركته في فسوقه، والإنكار عليه ولو بالقلب، والدعاء له بالصلاح، والترفق به حتى يجعل الله لها مخرجا. وإن كان مهملا لولدها فعليها أن تكون لولدها أما وأبا، ولتكن لها أسوة حسنة في امرأة فرعون: "ضرب اللّهُ مثلا للّذينَ آمَنوا امرَأةَ فرعونَ إذ قالَت ربّ ابن لي عندَكَ بيتا في الجَنَّة ونَجّنّي من فرعونَ وعَمَله ونَجّني منَ القوم الظالمينَ " (39) .ـ

ـ 89 ـ الأمانة

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:

ـ" أربَع مَن كُنّ فيه كانَ مُنافقا خالصا، ومَن كانَت فيه خَصلَة منهُنّ كانَت فيه خصلَة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا أؤتُمنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ ".ـ

(متفق عليه)

الأسس القويمة لحسن المعاملة بين الناس (مسلمين وغير مسلمين) هي الصدق والأمانة والمحافظة على الوعد. فالأمانة أوصى بها تعالى: " إنّ اللّهَ يأمُرُكُم أن تُؤَدّوا الأمانات إلى اهلها " (40) ، وأوصى بالصدق ولعن الكاذبين، وأمر بالوفاء بالعهد وبالعقود: " وأوفوا بالعهد إنّ العَهدَ كانَ مَسؤولا " (41) وبالعقود: " ياأيُّها الّذينَ آمَنوا أوفوا بالعُقود " (42) . وقد مقت الله تعالى الخيانة حتى مع الكفار فقال: " ولا تُجادل عَن الّذينَ يَختانونَ أنفُسَهُم، إنّ اللّهَ لا يُحبّ مَن كانَ خوّانا أثيما " (43) .ـ

الخيانة صفة لا يمكن أن يتصف بها مؤمن كما سبق في الحديث (64) هامش (3) ، لذلك فالمعاملة بين المسلمين تستند إلى الأمانة والصدق والإيفاء بالعهود والمواثيق والعقود. ولقد بلغ من وفاء المسلمين بعهودهم ومواثيقهم مع غيرهم مبلغا على مر القرون السالفة لم تبلغه أمة من الأمم، وذلك بفضل ما أمرهم به كتاب ربهم وما اخْتَطَّهُ لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته. فقد وفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعهده مع الكفار في صلح الحديبية حتى أخلفوا هم الميثاق. وفي حياته كان مثالا للإيفاء بالوعد، وكان يأمر أصحابه بذلك. إحتجز الكفار قبيل معركة بدر حذيفة بن اليمّان رضي الله عنه وصاحبا له، ولم يتروكوهما حتى وعداهم بأن لا يشاركا في المعركة التي توشك أن تقع. فلما استشارا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك أمرهما بالإيفاء بذلك، فلم يشهدا معركة بدر. وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم هجرته عليا بن أبي طالب رضي الله عنه بعده ليرد الآمانات إلى أهلها والتي لم تكن سوى أمانات المشركين الذين عادوه وأخرجوه من بلده.

1ـ يزيد بن أسد هو جد خالد بن عبد الله القسري، كان من أهل اليمن، خرج في زمن عمر إلى فتح الشام، ووجهه معاوية في4000 رجل من أهل الشام لنصرة عثمان رضي الله عنه فوصل المدينة فوجده قد قتل، فلم يفعل شيئا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت