فهرس الكتاب
السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله " (5) ـ
ولذلك كانت صلاة الفريضة في المسجد أفضل وصلاة النافلة في البيت أفضل لما فيها من إخفاء للعبادة وبعد عن الرياء. فقد قال الإمام علي رضي الله عنه: المرائي يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان في الناس. ورأى عمر رضي الله عنه رجلا يُطأطِئ رقبته فقال يا صاحب الرقبة إرفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب. ويكون الرياء أحيانا بإظهار العبادة والعمل الصالح أو بالتزيّي بزيّ الصالحين أو بترداد أقوال يفهم منها صلاح صاحبها وتقواه أو المراآة بالأصحاب والزائرين إن كانوا من أصحاب الخير والصلاح.
والرياء درجات بعضها دون بعض. فإن كان المرائي ليس مراده الثواب أصلا فهذا ما لا يقبل الله من عمله شيئا. ويليه من يكون له قصد الثواب ولكن قصده ضعيف ولو كان لوحده لما وجد دافعا للقيام بالعمل. وهناك من يتساوى عنده قصد الثواب وقصد الرياء. أما أخف ذلك فهو أن يقصد وجه الله تعالى لكن يجد نفسه أنشط إن إطلع عليه الناس. فعلى المرء ان يراقب نيته ويخلص عمله فإن الله مطّلع على ما تخفي الصدور وهو ناقد بصير. وعلاج ذلك إخفاء العمل الصالح ما إستطاع فإن ظهر حمد الله ودعاه أن لا يدخل في عمله شيئا من الرياء، فالله تعالى غير محتاج لعمل بني آدم، لذلك فإن عملوا عملا إبتغاء وجه غيره، فلا يقبل الله من ذلك شيئا. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ أخوَفَ ما أخافُ عَليكُم الشركُ الأصغَرُ (6) .ـ
أما إن كان ولا بد من إظهار العمل، فعلى المرء أن ينوي بذلك أن يقتدي به الناس، أو أن يظهر نعمة الله عملا بقوله تعالى: " وأمّا بنعمة ربّكَ فَحَدّث " (7) .ـ
ـ 92 ـ إجتناب العجب والكبر
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قلبه مثقالُ حَبّة من خَردَل من كِبر، ولا يَدخُلُ النارَ مَن كانَ في قَلبه مثقالُ حَبَّة من خَردَل من إيمان" (رواه مسلم)
الكبر والإعجاب بالنفس من الذنوب المهلكة. وعلاج الكبر التواضع. والعجب بالنفس محبط للأعمال أو مسبب للعقوبة الدنيوية والأخروية، قال الله تعالى: " ويوم حنين إذ أعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغن عَنكُم شيئا " (8) .ـ
عن مطرف بن عبد الله الشخير (9) قال: لئن أبيت نائما وأصبح نادما أحب إليّ من أن أبيت قائما (أي يقوم الليل بالعبادة) فأصبح معجبا. إن العجب يدعو إلى نسيان الذنوب أو إستصغارها، والمعجب يغتر بنفسه وبرأيه ويأمن مكر الله وعذابه ويظن أنه عند الله بمكان وأن له على الله منّة وله عنده حقا بأعماله التي نسي أنها هي نعمة وعطية من عطاياه جل جلاله وقد يخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها، وقد نهى الله تعالى أن يزكي المرء نفسه فقال: " فَلا تُزَكّوا أنفُسَكُم هُوَ أعلَمُ بمَن أتَّقى " (10) ، فمن أعجب برأيه وعمله وعقله منعه ذلك من الإستفادة من الإستشارة والسؤال فيستبد برأيه ويعجب بالرأي الخاطئ الذي خطر له فيفرح بكونه من خواطره ولا يفرح بخواطر غيره فيصرّ عليه ولا يسمع نصح ناصح ولا وعظ واعظ بل ينظر إلى غيره بعين الإستجهال والإزدراء ويصرّ على إخطائه. فلذلك كان العجب من المهلكات ومن أعظم آفاته أن يغتر في السعي (والعمل الصالح) لظنه أنه قد فاز (بالجنة) وأنه قد استغنى (عن المزيد من الصلاح) وهو الهلاك الصريح الذي لا شبهة فيه. وعلى المرء أن لا يرى لنفسه فضلا على أحد وأن لا يزدري أحدا، فرُبّ رجل هو على الكفر اليوم يكون أفضل منك غدا، ولا تزدري حتى الكلب فإن الله تعالى قادر على أن يجعل المرء شر منه كما قال: " إن هُم إلاّ كالأنعام بَل هُم أضّل سَبيلا " (11) .ـ