وكان يعرفه، ومن لا يعرف يحيى بن معين؟ فوقف ساعة، ثم لمح فرجة قد انفرجت فقام فيها، وكان الشيخ يكشف عن الرجال [1] فيقوّي ويضعف ويزكّي ويجرح، فقال: يا أبا زكريا، رحمك الله. رجل غريب نائي الديار، أردت السؤال، فلا تستخفني.
فقال الشيخ: قُلْ.
فجعل يسأل عن بعض من لقي من أهل الحديث (وكان قد لقي منهم خلقًا كثيرًا) فبعضًا زكّى الشيخ وبعضًا جرّح. فسأله عن هشام بن عمار (وكان قد أكثر الأخذ عنه) ، فقال الشيخ: أبو الوليد هشام بن عمار صاحب صلاة دمشق، ثقة وفوق الثقة، لو كان تحت ردائه كبر ما ضره شيئًا لخيره وفضله.
فتصايح أهل الحلقة: حسبك يرحمك الله، حسبك! غيرك له سؤال.
فقال وهو واقف على قدم: أكشفك عن رجل واحد؛ أحمد بن حنبل؟
فما قالها حتى جمد الناس وعلت الشيخ كآبة، ونظر إليه متعجبًا كأنه يقول له: أعن أحمد يسأل أحد؟ وهل تجرؤ على ذكره؟ وكأن الشيخ قد خالطه شيء من الجزع، ثم غلب عليه إيمانه فلم يعد يبالي السلطان وغضبه وقال للسائل: من أين أنت أيها الرجل؟ نحن نكشف عن أحمد بن حنبل؟
(1) أي رجال الحديث.